00
إكسبو 2020 دبي اليوم

بعد دولتهم.. هذا بيت «إخوان» تونس ينهار

أعلن 113 من قيادات حركة النهضة الإخوانية في بيان نشر أمس السبت 25 سبتمبر 2021 ووقّعه 113 من قيادات حركة النهضة الإخوانية، استقالتهم من الحزب احتجاجاً على «تأزم الوضع» في الحزب، وكذلك بسبب ما أسماه البيان بـ«تعطّل الديمقراطية الداخلية والمركزية المفرطة وانفراد مجموعة من الموالين (لرئيس الحزب راشد الغنّوشي) بالقرار». وبرّر البيان خروج هذه القيادات التي ينتمي العديد منها للصفّ الأوّل من الحركة الإخوانية، بأنّ سياسات القيادة الحالية للحزب أدّت إلى عزلته، وذلك نتيجة خيارات وتحالفات سياسية خاطئة ولا منطق فيها، إلى جانب أنها متناقضة مع التعهدات المقدمة للناخبين، بحسب منطوق البيان.

وتُعتبر هذه الاستقالة غير مسبوقة في تاريخ الحركة الإخوانية، إذ حدثت في السابق استقالات فردية، ولكنّه لم تعرف النهضة الإخوانية مطلقاً استقالة جماعية كمّية ونوعية بهذا الحجم، أم ما يتردّد من أنّ هذه الاستقالة قد تكون مقدّمة لتأسيس حزب جديد خارج عن سيطرة القيادة الحالية للنهضة الإخوانية.

وتُطرح في تونس تساؤلات عدّة حول جدّية الأزمات التي تعيشها حركة النهضة الإخوانية، وذلك تحسّباً من أن تكون هذه الأزمات مفتعلة وداخلة في إطار توزيع الأدوار بين أجنحة الحزب الإخواني، وهي كما هو معلوم لعبة تتقنها الجماعات والأحزاب العقائدية وبالخصوص تلك المتستّرة بالخطاب الديني والموظّفة له.

ولكنّ الاعتقاد الذي بدأ يسود في تونس الآن هو أنّ حركة «النهضة الإخوانية» دخلت مع هذه الاستقالة الجماعية مرحلة الحرج القصوى والشلل السياسي التامّ التي قد تؤدّي بها إلى الانقراض أو إلى الرجوع إلى أصولها المتطرّفة والعنيفة، والتي اضطرّت لأسباب تكتيكية أو من باب المناورة لإخفائها في محاولة فاشلة لإقناع المجتمع التونسي بأنّها لبست عباءة الأحزاب المدنية وقطعت مع ماضيها المتطرّف والإرهابي.

وتأتي هذه الاستقالة لتضع حدّاً نهائياً لكلّ مناورات رئيس الحركة الإخوانية راشد الغنّوشي من أجل المحافظة بشتّى الطرق على وحدة التنظيم عقب إجراءات الرئيس قيس سعيّد التصحيحية في 25 يوليو الماضي.

ويبدو أنّ مجموعة الـ113 الموقّعة على بيان الاستقالة فهمت وأيقنت أنّ الحركة التصحيحية لـ25 يوليو 2021 بلغت مع صدور الأمر الرئاسي المنظّم للسلطات العمومية وللمرحلة الانتقالية نقطة اللاعودة فسارعوا بإعلان استقالتهم من الحزب مخيّرين ما أسموه «الالتزام الوطني بالدفاع عن الديمقراطية»، ومعتبرين في موقف غير مسبوق أنّهم بهذه الاستقالة أصبحوا «متحرّرين من الإكراهات المكبّلة التي أصبح يمثّلها الانتماء لحزب حركة النهضة».

وقد يكون خروج حركات الإسلام السياسي عموماً والحركات الإخوانية تحديداً من جحورها السرّية واقتحامها عالميْ العلنية وممارسة السلطة ساهم بشكل كبير في تعميق التناقضات المصلحية وفي احتداد الصّراع على السلطة داخلهم، وهو ما أدّى بالتدريج إلى تراكم الأزمات الداخلية واتّساع رقعتها بشكل هدّد وحدة تنظيم وكشف زيف الأخلاق وزيف السياسة والوعود.

إنّ تماسك مثل هذه التنظيمات العقائدية يصبح من المُحال إذا خرج الأمر عن نطاق المؤمنين بها عقائدياً، وهو ما يفسّر معاداة تنظيمات «الإسلام السياسي» ومنها الحركات الإخوانية، في العمق للمسألة الديمقراطية لأنّها تهدّد وحدتها التنظيمية التي قوامها الانضباط لزعيم الجماعة وتملّك الحقيقة المطلقة التي ينبغي على الجميع الرضوخ لها.

وإنّ اضطرار هذه الجماعات إلى التشبّه بالديمقراطية والديمقراطيين انسجاماً مع مقتضيات المجتمعات المحلية وكذلك مع طلبات المجتمع الدولي، أثرّ بشكل مباشر على السلوكيات داخل التنظيم، إذ كبرت مع الوقت الشهيّة والرغبة لدى البعض في التداول الداخلي على السلطة، ولكنّ طبيعة هذه التنظيمات وإصرار رئيس حركة النهضة الإخوانية على التمسّك بـ«الزعامة» أجهضا كلّ المحاولات السابقة لإحداث تغييرات على رأس الحركة الإخوانية.

وأمّا من خارج التنظيم فقد عرّى وجود حركة النهضة الإخوانية في السلطة زيف السلوك الديمقراطي لهذه الجماعات عموماً، وبان مع الوقت أن الديمقراطية التي بشّروا بها ونجحوا في وقت من الأوقات في إقناع بعض القوى الغربية بها هي ديمقراطية مغشوشة وزائفة وتمشي على رأسها، هي ديمقراطية شكلية ومخاتلة وملغومة، الهدف منها هو تأبيد موقعها في السلطة والحكم والتمتّع بمغانمها بمعية من لفّلفّها من أطراف غارقة في الانتهازية.

وللأسف نجحت هذه القوى المعادية للديمقراطية على مدى السنوات في أن تبيع وَهْمَ هذه الديمقراطية الشكلية لبعض القوى الدولية التي خضعت لماكينة التضليل الإخوانية على مدى العشريات السابقة، ونسيت هذه القوى أنّ مثل هذه الجماعات وكلّ التنظيمات الفاشية تؤمن بالديمقراطية مرّة واحدة تلك التي توصلهم إلى السلطة والحُكْمِ، وقد حان الوقت كي تستوعب هذه القوى أنّ زراعة «الإخوان» في المجتمع التونسي وفي المجتمعات العربية تحمل أسباب فشلها، لأنّ هذه المجتمعات لفظتهم ولفظت ديمقراطيتهم الزائفة، ألم نقل سابقاً أنّ نهاية إخوان تونس هي مسألة وقت؟

طباعة Email