العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    اللون الرمادي في أفغانستان

    هل استيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان، يعني بصورة آلية أن هناك موجات من الإرهاب سوف تضرب المنطقة العربية والشرق الأوسط وربما العالم أجمع؟!

    الإجابة في ظني ليست مؤكدة أو يقينية، والذين يراهنون على أن صعود طالبان يعني حرية الحركة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، خصوصاً «داعش خراسان»، عليهم أن يراجعوا موقفهم.

    ربما صعود طالبان سيعطي دفعة معنوية كبيرة، للعديد من المتطرفين، لكن لا يعني ذلك بالضرورة، أن تنظيم داعش أو أي تنظيم متطرف آخر، ستكون لديه حرية الحركة في أفغانستان أو الانطلاق منها لأماكن أخرى.

    في السياسية لا شيء مضموناً، لكن عملية التحليل تعتمد أساساً على البيانات المعلنة والوقائع الفعلية، والمؤشرات التي يمكن رصدها. وفي حالتنا هناك أكثر من علامة يمكنها أن تجيب عن هذا السؤال الجوهري.

    أول هذه العلامات أن طالبان وحتى قبل سيطرتها على معظم أراضي أفغانستان، وقبل دخولها إلى كابول، أكدت أكثر من مرة، أنها تغيرت، وأن طالبان الحالية تختلف تماماً عن طالبان نسخة 1996 - 2001.

    الحركة تؤكد أنها سوف تسعى لتشكيل حكومة تضم كافة مكونات الشعب الأفغاني، وأنها أعطت الأمان لكل قادة وأنصار النظام السابق، وطلبت منهم البقاء في البلاد وعدم الخروج.

    الحركة قالت أيضاً وعلى لسان المتحدث باسمها إنها تريد إقامة علاقات طبيعية مع كل دول العالم، خصوصاً أمريكا وأوروبا.

    وفي المقابل وجدنا إشارات إيجابية من أمريكا وأوروبا بأنها مستعدة لإقامة علاقات مع الحركة والاعتراف بها، إذا لبت الحركة الشروط الأساسية، مثل عدم التعاون مع التنظيمات الإرهابية، واحترام حقوق الإنسان وحقوق النساء.

    هناك متغير مهم وهو أن كلاً من روسيا والصين، تتعاملان مع الأمر الواقع، بدون مواربة، حتى قبل سيطرة طالبان على كابول، والدولتان تحفظتا قبل أيام على مقترح فرنسي غربي بإقامة منطقة آمنة في العاصمة كابول لاستمرار إجلاء الأجانب ومن يرغب من الأفغان.

    الدولتان ورغم الصراعات الأيديولوجية المعروفة مع طالبان، إلا أنهما سارعتا إلى فتح أبواب حوار معها، وتفادي جعل الحركة عدواً قد تكون مهمته مناكفة البلدين، وإذكاء روح التطرف سواء في دول الجوار الجنوبي للاتحاد الروسي أو الجمهوريات ذات الحكم الذاتي فيها، أو في إقليم شينجيانغ في الصين.

    مرة أخرى السياسة لا تعرف الثوابت الجامدة، لكنها مرنة جداً، وشديدة التغير، وعدو الأمس قد يصبح صديق اليوم والغد، إذا تلاقت المصالح.

    هناك رأي يقول إن طالبان تغيرت فعلاً، وأن هناك فرقاً كبيراً بين أن تشن عمليات كر وفر لإسقاط سلطة قائمة، وبين أن تدير دولة تكون مسؤولة عن حياة ملايين الناس. هذا الرأي يراهن على أن التجارب غيرت طالبان وجعلتها أكثر خبرة وتوازناً، وأنها ستدخل أن آجلاً أو عاجلاً في صراع مع تنظيم داعش، حتى تتمكن من إثبات أنها دولة، وأنها لن تقبل بمنطق الميليشيات والفوضى.

    ويستشهد هؤلاء بأن حركة طالبان دخلت في معارك طاحنة مع تنظيم داعش طوال السنوات الأخيرة، بعد أن اتهمها التنظيم بأنها «ارتدت»، حينما تفاوضت مع الأمريكان في الدوحة.

    أنصار هذا الرأي يراهنون على القيادات التاريخية للحركة، الذين كانوا شديدي الحماس والتطرف، في الماضي، صاروا يدركون حقائق الحياة، بسبب سنوات المنافي واللجوء، واقتنعوا بأنه لا يمكن للمرء أن يدير دولة بنفس طريقة إدارة تنظيم أوميليشيا.

    لكنّ هناك رأياً آخر يقول، إنه يصعب على طالبان أن تغير جلدها بهذه السهولة وحتى لو أرادت ذلك، فإن هناك تياراً متشدداً داخلها لا يزال يملك القوة والتأثير.

    في كل الأحوال علينا أن ننتظر قليلاً لندرك أي الرأيين سوف ينتصر، لكن من الواضح أننا سوف نشهد العديد من المفاجآت في المشهد الأفغاني، الذي لن تكون ألوانه هي الأبيض والأسود فقط، كما يتخيل الكثيرون، لكن هناك العديد من الألوان التي يغلب عليها اللون الرمادي.

    *رئيس تحرير صحيفة «الشروق» المصرية

    طباعة Email