العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ومضةُ الخيل

    إذا أردنا معرفة طبيعة إحساس الإنسان بالأشياء، فما علينا إلا أن ننظر إلى ملامح وجهه حين يتحدث عنها، وبخصوص الخيل فحين يتحدث عنها صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، تستنير أساريرُ وجهه الأصيل، وتتدفق ملامحه الطيبة بالسعادة العميقة النابعة من صميم القلب.

    فالخيل بالنسبة له هي حبيبة من نوع آخر من مخلوقات الله، الخالق العظيم الذي أبدعها بهذا الجمال الفاتن الذي يجمع بين الجاذبية والكبرياء والأنفة، وهو ما عبّر عنه صاحب السموّ بلغةٍ تفيض عذوبة ورقة نلمسها في كلامه حين يتحدث عن الأشياء الساكنة في قلبه، حيث يقول: «الخيل تجمع العزّة والأنفة والرقة والقوة، وكذلك أبي، وكذلك دبيّ».

    في هذا السياق الذي لا ينتهي من حب الخيل والاهتمام بها نشر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مقطع فيديو على حسابه في إنستغرام، وعبر وسم #ومضات_قيادية تلاها بصوته باللغة الإنجليزية، مصحوبة بمجموعة من الصور الرائعة مع ترجمة عربية للمادة الصوتية، وهي في جوهرها جزء بسيط من تراث ضخم وفخم من مواقف صاحب السموّ تجاه الخيل ومدى حبه لها.

    وعنايته بها منذ طفولته الأولى وحتى هذه المرحلة من عمره السعيد الميمون، ولو أردنا أن نذكر الكثيرَ الطيبَ من هذه المواقف لطال بنا المقام، لكننا سنتوقف ابتداء عند محتوى هذه الومضة الفاتنة التي تعكس هذا الحبّ الخلاب الذي يتجذر في قلب صاحب السمو للخيل وسيرتها الزاكية العاطرة.

    (الخيل جزءٌ أصيل من حياتنا وعائلتنا) بهذه الجملة الرصينة يفتتح صاحب السموّ ومضته الخاصة بالخيل، حيث يؤكد عمق الإرث التاريخي للخيل في حياة صاحب السموّ على المستوى الشخصي للعائلة، وعلى المستوى العام لنمط الحياة، فهي جزءٌ أصيل من الحياة العامة، ومن تقاليد العائلة الخاصة، فقد نشأ صاحب السموّ في عائلة تهتم بالخيل أعظم اهتمام، وتُكرمها وتسلك في العناية بها مسالك العرب الكرام الذين كان للخيل في نفوسهم المنزلة العليا التي لا تُدانيها منزلة، وهذا الكلام الذي أجمله صاحب السموّ في هذه العبارة التي افتتح بها هذه الومضة نجده مفصّلاً، وعلى نحو بديع في كتابه البديع (قصتي:

    50 قصة في خمسين عاماً)، حيث عقد فصولاً عديدة للخيل ومدى عشقه لها واهتمامه بها، لكنه افتتح سيرة الخيل بالقصة الرابعة عشرة بعنوان «الخيل الأولى» التي قصّها بلغة عاطفية مدهشة تأخذ بالألباب، وتُحبّب القُرّاء مهما كانت ثقافتهم بالخيل.

    فالحديث عنها حديث من القلب إلى القلب، فذكر عمق العلاقة التي تجمع جميع أفراد عائلته بالخيل، واستمعْ لصاحب السموّ وهو يتحدث بحفاوة قلبية لا تخطئها عين الناقد البصير في شأن حبه للخيل وعمق الإرث الشخصي والعائلي مع الخيل، حيث يقول: «هل تعرف ما هو الفرق بين الحب الأول والخيل الأولى ؟»، ويجيب صاحب السموّ قائلاً: «لا يوجد فرق، الخيل الأولى والحب الأول وجهان لعملة واحدة بالنسبة لي»، ثم يندفع بحديث يقطر عذوبة عن سرّ هذا الحب فيقول:

    «أحبّ الخيل منذ الصغر، تربيت في بيت كان والدي يجول بحصانه الصقلاوي في أرجاء دبيّ، ويقوده من غير زمام، تربيت في بيت كان أخي الأكبر مكتوم له حصانٌ يستطيع أن يمتطيه بالركض خلفه، كيف لا أحب الخيل وأمي كانت تستطيع ركوب الخيل دون سرج ؟»،.

    ولقد تنامى هذا الحب للخيل في قلب الطفل حتى وصل إلى درجة الشغف، بحيث كانت والدته طيبة الذكرى الشيخة لطيفة بنت حمدان، رحمها الله (أم دبيّ)،إذا افتقدت ولدها الصغير في عتمة الليل وجدته نائماً في إسطبل الخيل، كما يقول صاحب السمو في وصف تلك العلاقة الحميمة التي تجمعه بخيله منذ طفولته المبكرة وحتى يوم الناس هذا.

    (نحن بدوٌ من الصحراء، والخيل عنصر مهم في حياتنا) وفي هذا المقطع تلوح نبرة الفخر بالأصول العربية العريقة لصاحب السموّ، فهو سليل قبيلة عربية عُرفت بقوة بأسها، وبخوضها المعارك على ظهور خيلها، فالخيل هي أداة الحياة والحرب، وهي العنصر الأهم في حياة البداوة منذ فجر التاريخ، وكم يحرص صاحب السموّ على تأكيد العلاقة بين الحاضر الزاهر بكل طيبات الحياة، وبين تلك الحياة الصعبة التي عاشها الآباء والأجداد في قلب الصحراء، قبل أن تفيض النعم على هذه البلاد الطيبة الأصيلة، لتظل الأجيال منتعشة الذاكرة بأصولها العربية الأصيلة التي تعتز بالبداوة وتفتخر بالقيم التي نشأت عليها، ولا تُدير ظهرها للماضي تحت تأثير بريق الحاضر مهما كانت الظروف والأحوال.

    (أردتُ أن أُعيد الخيول العربية الأصيلة لموطنها) وقد تحققت هذه الرغبة والإرادة التي كانت هاجساً لصاحب السموّ، وأصبحت خيله العربية الأصيلة هي سيدة السباقات في جميع أنحاء العالم، حيث يعتبر صاحب السموّ من أكبر مُلّاك الخيل على المستوى العالمي، وتحظى خيله بعناية فائقة، وتحقق إنجازات باهرة، تستحق معها مزيداً من العناية والرعاية والاهتمام.

    (فخورٌ بأن أشاهد منافسات الخيول من مختلف أنحاء العالم هنا ويتنافسوا في الميدان)، حيث تحتضن دبيّ أروع وأشهر سباق عالمي للخيول، هو سباق كأس دبي العالمي، الذي يُقام على أرضها منذ العام 1996، ويُعدُّ هو السباق الأغلى على مستوى العالم.

    حيث يجتمع في مضمار دبي النخبة الأولى من فرسان العالم يمتطون أشهر الخيول العالمية، ويجري السباق ضمن روح رياضية تقوم على التحدي المذهل، حيث تكتسح خيل صاحب السمو السباقات، وتحقق المركز الأول كاستحقاق دائم لجهود ضخمة يبذلها المدربون العالميون، وهناك أسماء وصلت إلى حدّ الإبهار في أدائها الأسطوري مثل «دبي ميلنيوم» و«ثندر سنو»، وغيرهما من الأسماء الشهيرة من خيل صاحب السمو، بحيث تعيش دبيّ حالة من البهجة الحضارية خلال هذا السباق المتميز بجميع تجلياته ونتائجه.

    (فوزي يتحقق برؤية هذه المشاركات الدولية، ليس المهم من يكسب المركز الأول في السباق، فنحن نريد للجميع أن يكون فائزاً)، وفي هذه الخاتمة الرائعة لهذا المقطع يقدم صاحب السموّ رؤيته الخاصة لفلسفة الفوز والخسارة.

    فالفوز في نظره هو في المشاركة والدخول في روح المنافسة، والخسارة هي الكسل والقعود عن خوض التحديات، وحين يرى صاحب السموّ هذه التظاهرة الرائعة للخيل وفرسانها الكبار في مضمار دبيّ يشعر بأن الهدف قد تحقق، وعلى الرغم من حرص صاحب السموّ على الفوز الدائم بالمركز الأول، إلا أنه يؤكد على أنّ الفوز الحقيقي يكمن في المشاركة أولاً وأخيراً.

    فالجميع فائزون حين يشاركون في هذا السياق العالمي النادر، وأما المركز الأول فهو استحقاق لمن بذل الجهد الأكبر لتحقيقه، لتظل دبيّ والخيل هي قصة الحب الكبرى في قلب صاحب السمو ووجدانه الذي لا يبتهج بشيء ابتهاجه بالحديث عن الخيل التي كتب فيها أجمل أشعاره، وغنّى لها من قلبه أصفى غناء وأحلاه.

    حبّ الرمك يجري بشراييني

    آحبها وآحب طاريها

    قضّيت عمري في مودتها

    أحبها ولا أقدر أخليها

    عطيتها لي مرْ من عمري

    واللي بقى من العمر بعطيها

    طوبى للخيل بعاشقها وفارسها الذي ما خذلها في يوم من الأيام، وبادلته هي حبّاً بحب وصهلت لرؤيته، فما أخلفت له وعداً في ساعات الضبح والاحتدام.

     

    طباعة Email