العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الاستثناء التونسي سيتواصل

    سيبقى راسخاً في الذاكرة الجمعية التونسية أنّ ما حدث يوم 25 يوليو (جويلية) 2021 في تونس هو عمل استثنائي بكلّ المقاييس.

    كانت تونس على مشارف هاوية سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وكان لابدّ من التحرّك وكان المطلوب العاجل هو إيجاد سبيل للخلاص يجنّب تونس الكارثة والدمار.

    وقبل هذا التاريخ المهمّ بلغت درجة الاحتقان والشلل في تونس مستوى لم يعد معه من الممكن ضمان الشروط الدنيا لاستمرار الدولة ومؤسّساتها، فضلاً عن التدمير الممنهج لما تفرّد به النموذج الحضاري التونسي من قيم حداثية أساسها المعرفة والحرّية وذلك تحت وطأة الضربات التي وجّهتها باستمرار حركة النهضة الإخوانية في محاولة لفرض نموذج مجتمعي رفضه التونسيون، وتصدّوا له على مدى سنوات حُكْمِ هذا الفصيل السياسي المتستّر بالدين، والذي ما انفكّت الأحداث تكشف خواء وزيف الأسس والقيم التي انبنى عليها.

    وفي وقت بدأ اليأس يدبّ فيه إلى نفوس التونسيين جاء الحلّ من حيث لا يدري الجميع: مجرّد تأويل بدا بسيطاً للفصل 80 من الدستور كان كافياً لدكّ أركان المشروع الإخواني، وإحداث «تسونامي» سياسي في تونس. وقد انطلق القرار رئاسياً لكنّه سرعان ما لقي مساندة كبرى من منظمات المجتمع المدني وعلى رأسها الاتّحاد العام التونسي للشغل (اتّحاد العمّال)، وكذلك الجانب الأكبر من المشهد الحزبي إضافة إلى الدعم الشعبي العارم الذي فاق 80 في المائة بحسب استطلاعات الرأي.

    ونعتقد أنّ هذا الدعم المجتمعي ساهم بشكل كبير في طمأنة الرأي العام الدولي الذي رأى في حراك 25 يوليو سبيلاً ممكناً لإنقاذ تونس، شريطة أن لا يقود ذلك إلى تأبيد وضع مؤقّت.

    وقد كانت الحركة الإخوانية متخوّفة من تكرار السيناريو المصري في تونس ولم تقدّر خطورة ما قد يُقدم عليه رئيسٌ غير معنيّ بحسابات السياسة والأحزاب، ولكنّه يعي جيّداً أهمّية صلاحياته الدستورية، ولا يستند في عمله سوى لدعم الشّعب له.

    مثّل القرار إذن مفاجأة كبيرة لحركة النهضة الإخوانية التي لم تكن تتخيّل درجة رفضها من طرف المجتمع التونسي ومن طرف أغلب مكوّنات المشهدين الحزبي والسياسي إلّا من جمعتهم بها الانتهازية والمصلحة. وما كان لهذا القرار أن يُتّخذ لو أنّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد كان سياسياً بالمعنى التقليدي للكلمة.

    فقد سبق أن نصحنا الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي بأن يسلك الطريق نفسه، غير أنّ الحسابات السياسية والحزبية منعته من أن ينتصح، ولكنّ هذا لا يمنع اعتبار أنّ ما جرى يوم 25 يوليو هو تجسيد صارخ لاستثناء تونسي تكرّر عبر التاريخ وخصوصاً بعد 2011. إذ وبعد بداية انهيار الإدارة والدولة في بداية 2011 جيء بالباجي قايد السبسي رئيساً للوزراء الذي حاول المحافظة على استمرار الدولة والمرفق العمومي ونجح في ذلك وقاد البلاد إلى الانتخابات التي أوصلت «النهضة الإخوانية» إلى الحُكْمِ، حينها لم يكن أحد ينتظر رجوع الباجي قايد السبسي إلى واجهة المشهد السياسي.

    ثلاث سنوات كانت كافية كي يكتشف التونسيون نوايا الحركة الإخوانية تجاه البلاد والعباد (موجة الاغتيالات السياسية ومحاولات التمكّن من مفاصل الدولة والإدارة) ولكنّها كانت في المقابل سنوات كافية كي تجد تونس الحلّ لفرض انتخابات أزاحت حركة «النهضة الإخوانية» من المرتبة الأولى، إلّا أنّ هذا الفوز العظيم تآكل بفعل الطمع والجشع الذي طبع سلوك أغلب قادة حزب «نداء تونس» الفائز بالرئاسات الثلاث في انتخابات سنة 2014.

    ، وكذلك بسبب أنّ اليسار التونسي ما زال مهووساً بدوام «الثورة» رافضاً بالتالي التفاوض من أجل المشاركة في الحُكْمِ، ولا نستثني الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي من مسؤولية هذا «الإثم» فهو قد أخطأ «الكاستنغ» ولم يحسن اختيار مساعديه.. ولكنّ مجمل ما حدث هو أيضاً استثناء تونسي. وبالطبع عاقب الشعب التونسي حزب «نداء تونس» في انتخابات 2019 التشريعية، رغم أنّه أعطاه فرصة للتدارك في الانتخابات المحلية سنة 2018، حيث حصد أكثر من 20 في المائة من المناصب، ثمّ عاقب هذا الشعب مجمل المشهد الحزبي من خلال منح الفوز لقيس سعيّد ضدّ مرشّحي كلّ الأحزاب، وهذا كذلك استثناء تونسي.

    إنّ ما تعيشه تونس الآن هو بالتأكيد حالة استثنائية بكلّ المقاييس ولكنّ التونسيين في شغف لرؤية الرئيس قيس سعيّد يتقدّم خطوات أكبر في اتّجاه كشف حقيقة الاغتيالات السياسية وحقيقة الجهاز السرّي لحركة النهضة الإخوانية وطبيعة تمويل نشاطها، والتونسيون يعتقدون أنّ أهمّ فساد نخر وينخر الدولة والمجتمع التونسييْن هو الذي مثّلت النهضة الإخوانية بدايته ومنتهاه ويكفي لتأكيد ذلك أن نعرف القيمة الجملية لتكلفة ما يُسمّى بالعفو التشريعي العام، وهو في واقع الأمر عفو خاصّ بجماعة النهضة والذي يبلغ ما يقرب من 12 ألف مليار تونسي (4.5 مليارات دولار أمريكي)، وأمّا ما يُشتبه فيهم من حالات فردية للفساد فَهُمْ مجرّد تفاصيل، ويبقى الأكيد أنّ تونس ستجد الحلّ وأنّ الاستثناء التونسي سيتواصل.

    كاتب تونسي

     

    طباعة Email