العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    عينُ الشاعر

    هذه ومضةٌ لامعةٌ متميزة جداً من جملة ومضات يحرص صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، على متابعة نشرها على حساباته الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي منذ فترة ليست بالقصيرة، كان لها أطيب الأثر في نفوس متابعيه من أبناء شعبه نظراً لما تشتمل عليه من ثراء التجربة، وعمق الخبرة، والروح المعنوية العالية التي يحرص صاحب السموّ على بقاء جمرها متوقداً داخل الروح العامة للشعب، ومن خلال تنوّع مدهش في طبيعة هذه الومضات المتميزة التي تُذكي روح الإرادة، وتشحذ العزائم، وتحمل البشائر.

    وتؤكد بما لا يقبل أدنى شكّ أنّ هذا القائد المتيقّظ شديد الاهتمام بكل ما يهمّ أبناء شعبه، وأنه حريصٌ جِدُّ حريصٍ على الوصول إلى الأهداف الكفيلة بتحقيق أرقى أنماط السعادة والعيش الكريم لأبناء شعبه الوفيّ الذي يستحق كل تقدير ومحبة واحترام.

    وهي ومضةٌ قيادية مختلفة في كل شيء، مختلفة في موضوعها حيث تربط ربطاً عجيباً بين الشعر والقيادة، وتشتمل صراحة أو ضمناً على إشادة قوية بالشعر وكونه واحداً من ملامح الشخصية المتفردة حين تكون واعية بثراء الإحساس الشعري، ومختلفة في طبيعة إخراجها .

    حيث اجتمع الصوت والصورة والإيقاع الفريد في تشكيل هذه الومضة التي تتغلغل في القلب من دون استئذان بسبب ما توفّر لها من عناصر الروعة والقوة والجاذبية، ومختلفة في مغزاها حيث تكشف عن جانب شخصي من شخصية صاحب السموّ وعناصر البناء الذاتي في شخصيته القيادية الفريدة.

    حيث ألقاها بصوته الواثق ونبرته المؤكدة للمضمون الذي يريد صاحب السموّ توصيله للسامع وترسيخه داخل وجدانه، ضمن لوحة خلّابة من الصور الكونية الرائعة التي عملت بذكاء مدروس على الجمع بين الفكرة والصورة في هذه الومضة القيادية المتميزة.

    (عين الشاعر مرتبطة بقلبه) والقلب هو موطن الحياة وموطن النبض بالأشياء والإحساس بها، وهو في ثقافتنا ولغتنا نظير العقل: {لهم قلوبٌ لا يفقهون بها} (الأعراف: 179)، والفقه هو أعلى درجات المعرفة، حيث يتمّ به تعقّل الأشياء، واستبصار المواقف والحكم عليها، وبقدر صلاح القلب وصفائه يكون صلاح جميع الأعضاء والحواس.

    ويدلّ عليه قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم: «وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ليكون هذا الكلام تأكيداً على عظمة القلب داخل الكيان الإنساني، فكيف إذا كان هذا الإنسان شاعراً، ومعلوم أنّ الشاعر إنسانٌ ذو قدرات خاصة في طبيعة الحس والتفكير.

    ويكون لديه إحساس مُضاعف بالأشياء، فمن هنا تتفجر شاعريته، ومعلوم أيضاً أنّ العين هي أكبر مصدر يزوّد القلب بالمحسوسات والمشاهدات، فكلما تأملت هذه العين في طبيعة الأشياء زاد انتفاع القلب بما يصل إليه من الصور والأفكار، فهناك تناغمٌ بديعٌ بين عمل العين وعمل القلب حيث يتولد الإبداع من هذه العلاقة الرائعة التي لا يتفطن إليها إلا شاعر مرهف الإحساس متوقد القلب بالفطنة والذكاء.

    (تعرفون أن الشاعر يرى ما لا يراه غيره)؛ فلأجل ذلك كانت العرب في جاهليتها تفرح وتبالغ في الفرح، وتنشر ألوية السعادة إذا نبغ فيها شاعر لأنّ منزلة الشاعر كانت عظيمة القدر بسبب هذه الموهبة التي يتميز بها عن غيره، ولم تُسمِّ العرب الشاعر بهذا الاسم إلا لاعتقادها بأنه يشعر بما لا يشعر به غيره، وليس المقصود في كلام صاحب السموّ مجرد الرؤية الحسية، فالناس سواسية في الرؤية البصرية الحسية ولكنّ مراده الرؤية المعنوية وهي رؤية البصيرة التي تعمل من خلال القلب، فالشاعر بحكم هذه البصيرة يكون أكثر قدرة على استشراف المستقبل.

    ويرى ما لا يراه الآخرون، وقد ينظر الرجلان إلى النار، فيرى فيها أحدهما مجرد كومة من الحطب المشتعل، ويرى فيها الآخر ولا سيما إذا كان شاعراً ناراً للهداية مثل نار موسى الكليم عليه السلام، ربما أنفق ليله الطويل وهو يسامر جمرها المشبوب مشتملاً على عباءته وهو يجلس فوق رجمٍ عالٍ يتنسّم الذكريات ويترنم بأعذب الألحان والأغنيات.

    (نظرته للحياة تختلف، نظرته لجماليات الحياة تختلف، ما ينظر إلى الأرض والسماء والبحر بنفس العين اللي ينظر بها الواحد)، في هذا المقطع من هذه التدوينة الثمينة ينتقل بنا صاحب السموّ إلى الملامح المحسوسة التي يتميز بها الشاعر عن غيره من آحاد الناس، فنظرته للحياة مختلفة عن غيره، فإذا اكتفى غيره بالنظر إلى قشرة الحياة وبهرجها الخارجي فهو لا يقف عند هذه الحدود بل يغوص إلى أعمق نقطة فيها، ويَسْتَكْنِهُ أسرارها ويكشف عن مستورها، ويُلحّ على معرفة المزيد من خباياها.

    فبهذه الروح المتميزة يختلف الشاعر عن غيره من الناس، ويلتقط أدقّ تفاصيل الجمال من مظاهر الطبيعة، فالسماء والأرض والبحر وجميع مظاهر الطبيعة هي مصادر معرفة وإلهام وتنوير للبصيرة في نظر الشاعر، وليست مجرد ظواهر فيزيائية تخضع لنواميس الكون وقوانينه فحسب، بل هي في نظره ووعيه وقلبه ذات إيحاء مختلف يمنحه شعوراً عميقاً بالجمال والانسجام مع جميع المظاهر الكونية الفريدة، فبهذا تختلف نظرته عن نظرة غيره من الناس العاديين.

    (الشاعر دايما يكون هادي ويتمعّن، وهذا بطبعه ساعد على صقل القيادة بالنسبة لي أنا) والهدوء المقصود هنا والتمعّن في طبيعة الحياة هو نظير الحكمة والتبصر في جوهر الأشياء، فالشاعر الذي نشأ نشأة مصقولة بين أبوين متمرّسين بأسرار الحياة لا شكّ أنه سيكون أكثر قدرة على استلهام دروس الحياة وأسرارها، وصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد كان موفور الحظ من هذه الحيثيّة .

    حيث تربّى في حِجْر أكرم أبوين، وتلقى من دروس الحياة ما جعل منه فارساً وقائداً وشاعراً في مرحلة مبكرة جدّاً من عمره الميمون، فكان لهذه العوامل مجتمعة مع ما رزقه الله من الذكاء والفطنة أكبر الأثر في صقل شخصيته القيادية، وإثراء تجربته في الحياة، وتعميق نظراته في مساراتها، وامتلاك الجرأة الكافية لخوض معتركاتها، مع صلابةٍ في غير قسوة، ولينٍ من غير ضعف.

    فاجتمع في شخصيته من المناقب الطيبة وصفات القيادة ما تفرّق في غيره من صفات القائد الجسور، والفارس المقدام، والشاعر الفنان؛ لينعكس ذلك كله على أبناء شعبه الذين يعرفون من هو قائدهم ويسيرون خلفه بكل ثقة وولاء وانتماء، لتظلّ روح الشاعر المرهفة واضحة القسمات في شخصية هذا القائد الفذّ الذي يجمع على نحو نادر بين لمعة العقل الذكي، وفيض القلب الممعور بالغناء الصافي والمسكون بأعذب الألحان.

     

    طباعة Email