العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    التعافي الاقتصادي المستدام!

     من المؤكد أن الوقت مُواتٍ جداً، للتفكير في سبل التعافي الاقتصادي المستدام، وانتهاج التفكير بعقلية العالم العبقري حين يتصرف ويفكر، ويقدم الحلول بما يكفي، للحد والمنع لوقوع الأزمات والكوارث قبل أن تحدث، وليس كما اعتدنا، في هذا العالم، على البحث عن الحلول بعد وقوع الأزمات والكوارث.

    ويمكن القول: إنه لا يمكن أن يكون هناك تنمية مستدامة في العالم من دون أن ترتكز على تعافٍ اقتصادي مستدام، فهذا الأخير هو الوقود، الذي تتحرك به عجلة التنمية ومن دونه لن نجد سوى الغبار يحاصرنا من كل الجهات.

    كما أن تحقيق حالة التعافي الاقتصادي المستدام لا تعني فقط استحداث مؤسسات متخصصة في الاستعداد والجاهزية الدائمة، لمواجهة الكوارث والتخطيط الجيد لاستيعابها والحد من مظاهرها، ولكنها تعني أيضاً ارتباطاً وثيقاً بين مراكز التنبؤ بالمخاطر المحتملة، ومراكز البحث وبيوت الخبرة Think Tanks الفاعلة في صناعة القرارات، بالإضافة إلى تناغمها مع مؤسسات الدولة والمجتمع، وكل هذا الوعي يرتبط بشكل مؤكد بتحقيق الأهداف العالمية للتنمية المستدامة، ويحقق حالة التعافي الاقتصادي المستدام بشكل مؤكد في آن.
     
    ولو تأملنا قليلاً في المشهد العالمي الحالي، في خضم المواجهة لجائحة «كورونا»، سنجد أن المشكل الذي وقعنا فيه أننا ذهبنا إلى معالجة أزمة القرن الحادي والعشرين بأدوات ووسائل اقترنت ببدايات القرن العشرين، ناسين معطيات الحضارة وأسبابها التي نعيش فيها، أي أننا نعيش في المستقبل، ونستخدم أدوات الماضي مع أهم ما نواجهه كل يوم من أزمات، نعم.
    فلقد مارسنا التحضر مع كل المعطيات القديمة، وقمنا بتحديثها إلا مع هذه الفعالية، التي لم نتعلم العيش فيها والتعاطي معها، فانصرفنا إلى أدوات الماضي وخططه ووسائله، ليثبت كل ذلك عجزنا التام وفاقد الشيء، كما يقول الفلاسفة، لا يعطيه.
     
    إن خطط الإنعاش التي حدثت بعد أول موجة من جائحة «كورونا» ذهبت بعيداً عما كان يفترض بها إنعاشه حقيقة، وكان يجدر بها أن تتوجه جميعاً نحو تنمية القطاعات المهمة ذات الصلة الحيوية بالراهن والمستقبل، وهي التي كشفت الموجة الأولى من «كوفيد 19»عن أوجه قصورها؛ تلك القطاعات تشكل ما اصطلح عليه «اقتصاد الحياة»، وتتمثل في:
     
    صناعة الأدوية، التجهيزات الطبية، رقمنة التعليم، النظافة، التغذية السليمة، الماء، الطاقة النظيفة، التأمين، الإعلام، الأمن، التكوين المهني (بالخصوص تكوين العمال الذين سينفذون هذه الاستثمارات)؛ وتمثل هذه القطاعات التي يعبر عنها إجمالاً بـ«اقتصاد الحياة» أهم الأولويات التي يفترض الانتباه إلى تنميتها دائماً، لخلق ما أسميته التعافي الاقتصادي المستدام، ليس فقط في المرحلة الراهنة، ولكن على الدوام حتى بعد انقضاء الجائحة وزوال تداعياتها، فهي تعني الجاهزية الدائمة لمواجهة الكوارث، وهي تعني الحد والمنع لوقوع الأزمات والكوارث وهي تعني التعافي الاقتصادي المستدام.
     
    يبقى الانتباه بالضرورة إلى مسألة صناعة الوعي الجمعي في المجتمع، حيث يمثل هذا المظهر الحضاري أهمية بالغة في مسألة تحقيق حالة التعافي الاقتصادي المستدام فمن خلال وعي الأفراد في المجتمع، بما يواجهونه يمكن الوصول إلى بر الأمان، وهذا الوعي لا يعبر فقط عن تحضّر المجتمع، بل يختصر الطريق بهم نحو النجاة، ويثبت أيضاً سلامة الشعور الجمعي بالمسؤولية في المجتمع.
     
    ويبرز الدور الكبير للمجتمع في تحقيق حالة التعافي الاقتصادي المستدام، من خلال التزام الأفراد بالقوانين واتباع قواعد السلامة، وخصوصاً في أوقات الكوارث، ما يعزز من فرصة النجاة من أي كارثة في وقت سريع بأقل نسبة ممكنة من الخسائر المادية والمعنوية، وللحديث بقية.
     
    *خبيرة اقتصاد معرفي
     
    طباعة Email