العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    التاريخ الذي يخيفهم

    كان الشيخ مستنداً إلى سارية مسجد وهو يقرأ أحاديث من صحيح البخاري لبعض طُلّاب العلم، ثم يقوم بشرحها وبيان ما فيها من دروس وتوجيهات وضوابط.

    فوقف شخصٌ متمعّر الوجه وهو يرفع صوته مقاطعاً الشيخ: ولكن هذه الأحاديث التي تُضيعون بها أوقاتكم لم تصنع لنا صاروخاً، فسأله الشيخ: وهل صنعت أنت ذاك الصاروخ؟ قال مرتبكاً: لا، فرد الشيخ بوجهٍ مبتسم: «هداك الله، لا أنت صنعتَ لنا صاروخاً ولا أنت تركتنا نقرأ البخاري»!

    هناك موضوع أصبح «عِلْكة» لكل من أراد أن ينتقد سواه ويبدو في مظهر المفكِّر الذي سبق عصره، وقد راج أمر هذا الموضوع مع الموجة الممنهجة ضد الإسلام كدين ومنهج، مهما كذبوا وحاولوا تسويق افتراءاتهم بخوفهم على الإسلام أو رغبتهم أنْ لا يشذ مَن يدينُ به عن بقية الدنيا، هذا الموضوع هو نبز التاريخ بأنه سبب تخلفنا، وأنّ من يتحدّث عنه أو يكتب فيه شخصٌ عالةٌ على مجتمعه وسبب رئيسي في وجودنا خلف المجتمعات المتحضرة.

    يقول أحدهم ساخراً بأنّ المسلمين لا يستطيعون تخيّل المستقبل، لذلك هم يحنّون للماضي ويتباكون عليه، وهذا ما يُفسّر أنّهم لم يُنتجوا مسلسل خيال علمي حتى الساعة، وحتى يُؤكد طرحه يستشهد بمقولة أرسطو: «إن الشباب يتحدثون عن المستقبل لأنه ليس لديهم ماضٍ، وكبار السن يتحدثون عن الماضي لأنه لا مستقبل لهم»، هنا يستشهد منتقداً من يتغنّى بالماضي ويترك المستقبل بشخص وُلِدَ قبل ولادة المسيح بقرابة القرون الأربعة، وقبل محمد، صلى الله عليه وسلم، بألف سنة!

    أمثال هذا هم أشخاص حُفِّظوا هذه الجملة وطُلِبَ منهم أن يدندنوا بها ليل نهار دون بديل فعلي يُطرَح أو مشكلة حقيقية تحتاج لعلاج، الحنين للماضي فطرة إنسانية وليست طبعاً مريضاً انحصر في المسلمين، فكل عائلة تفخر بأسلافها، وكل دولة تتغنّى بمؤسسيها، و كل أُمّة تتشكّل هويتها بجذورها الراسخة في القِدَم.

    ولطالما كان التاريخ مُلهماً للبشر ومحفّزاً لمواهبهم وبلسماً لسقطات الحاضر وفناراً يستنير به السائرون لكيلا يقعوا في محاذير وقع بها مَن قبلهم، لذا اتسعت الدراسات التاريخية في الغرب وكَثُرَ المؤرخون الذين شكلوا الدعامة الرئيسية لنهوض تلك الأمم.

    إنّ الذي يتشنّج و«يلبسه زيران»، وهو ينتقد من يرى أفراداً «عاديين» يزورون جامع قرطبة أو قصر الحمراء، لا نسمع له حِسّاً عمّن يزور الأهرامات أو سور الصين أو كولوسيوم روما، بل ستجده هو بنفسه في حسابه بالإنستغرام وقد ملأه صوراً وهو يوزّع الابتسامات لتوثيق زياراته لها، إذن فالمشكلة ليست بمن يَحِنُّ للماضي أو يفخر به.

    ولكن المشكلة هي الحنين لحضارة الإسلام، الذي لا يفتأون في التطاول عليه في شتى الأصعدة، فلا يزداد في النفوس إلا شباباً، ولا يزدادون إلا فجوراً في الخصومة.

    سياحة الأماكن الأثرية وصلت عوائدها السنوية إلى قرابة 25 تريليون دولار عام 2010، وما هذا إلا دليل على عشق البشر للتاريخ وشواهده وآثاره وشخوصه، وأنّ التاريخ البشري حيّ في أعماق النفوس، وأنّ الماضي لم يكن يوماً عبئاً إلا عند مَنْ هم عبء على مجتمعاتهم.

    والسؤال المهم هنا لذلك الناقم: لماذا تريد من هذا الشخص الذي يزور مدينة عربية قديمة أو يتغنّى بمآثرها أن يفكّر بالمستقبل الذي لم نَرَكَ فعلتَ شيئاً له سوى «الرغي»؟ ولماذا تريده، وقد يكون مزارعاً أو تاجراً أو موظف مؤسسة خدمية، أن يخترع لك منتجات فائقة التقنية ولم تُطالب نفسك بذلك وأنت صاحب الضجيج الذي لا ينتهي!

    هؤلاء لا يتوقفون عن الهجوم، لكنهم لا يجرؤون على توجيه أصابع نقدهم للجهات المختصة بتلك الأمور، وهي المؤسسات المسؤولة عن الصناعة والإنتاج واستشراف المستقبل، فهم يعلمون جيداً أنّ هذه المؤسسات لن تسكت لهذيانهم، وستتم مقاضاتهم قانونياً، لذا فهم يواصلون باستعلائيتهم اختلاق المعارك مع الناس العادين بجُبْنٍ بيّن، ويتلذذون باستجابة الآخرين لاستفزازاتهم، ولن يتوقفوا لأن الضباع لا تتعب من الشر، لذا فخير علاج هو التعالي عنهم وعدم إضاعة الوقت في مناكفتهم، وما داموا لم يصنعوا الصاروخ الذي صنعه غيرهم منذ مئات السنين، فكيف لهم أن يفهموا ما شكل المستقبل أصلاً!

    * كاتب إماراتي

     

    طباعة Email