العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    العدْو خلف الطائرات

    «لن أكرر أخطاء الماضي وأدفع الجنود الأمريكيين للمخاطرة بحياتهم في قتال لا ينتهي، بحرب أهلية لا تصب بمصالحنا القومية». هكذا علق الرئيس الأمريكي جو بايدن على قرار انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، في أول خطاب خصصه لتوضيح موقف إدارته من الأحداث الأخيرة في أفغانستان.

    في أحداث أفغانستان الأخيرة هناك أطراف ثلاثة؛ الولايات المتحدة الأمريكية التي سحبت قواتها بشكل سريع أثار استياء وإحباط حلفائها الأساسيين، مثلما أثار دهشة المحللين وأوقعهم في حيرة كبيرة. والطرف الثاني هو حركة «طالبان» التي زحفت بسرعة على المدن الأفغانية، واستولت عليها بسهولة لم تتوقعها هي نفسها، حتى وصلت إلى العاصمة «كابول» ووضعتها تحت سيطرتها. والطرف الثالث هو الحكومة الأفغانية التي استسلمت وفرّ قادتها، وانهار جيشها بسرعة أكبر مما توقعت الإدارة الأمريكية التي استثمرت مليارات الدولارات فيها.

    سوف نؤجل الحديث عن «طالبان» حتى تتضح أهداف الحركة وغاياتها ونواياها، ويتضح الأسلوب الذي ستتعامل به مع المواطنين الأفغان وهم يستقبلون عودتها بعد عشرين عاماً من الغياب عن السلطة، اختفى خلالها عدد من جيل المؤسسين، وكبر جيل كان فتياً في ذلك الوقت، وظهر جيل استوعب تجربة العقود الماضية، بكل ما في العودة من دراما سينمائية تصل إلى حد الإدهاش الذي يجعل استيعاب أحداثها بحاجة إلى قدر من الخيال الجامح الذي ليس بالضرورة أن يكون علمياً.

    هذا عن طالبان، أما الولايات المتحدة الأمريكية فإما أن تكون إدارتها تتصرف بذكاء خارق لا تستطيع استيعابه عقولنا ذات القدرات المحدودة، وهو ما ستكشف عنه الأيام وربما السنوات المقبلة، وما سينتج عن هذا التصرف الذي توجد له نماذج في دول أخرى، مثل العراق وسوريا واليمن على سبيل المثال، وإما أن تكون هذه الإدارة تتصرف بغباء شديد وأنانية، إلى درجة أنها لا تحسب نتيجة تصرفها ولا تتوقعها، فترتكب أخطاء كبيرة تكلفها خسائر فادحة، وتوجد لهذا التصرف نماذج أيضاً، أكثرها وضوحاً حرب فيتنام التي جرت في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي الحرب التي استمرت عشرين عاماً أيضاً، من 1955 وحتى 1975م، وقارب عدد الجنود الذين أرسلتهم الولايات المتحدة لدعم قوات فيتنام الجنوبية فيها مئتي ألف جندي.

    ومثلما قال بايدن في خطابه الأسبوع الماضي إنه لن يكرر خطأ الماضي والمحاربة في صراع للأبد، وإنه لن يخدع الشعب الأمريكي ويقول إن البقاء قليلاً هناك سيصنع كل الفرق، عبّر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق روبرت ماكنمارا، الذي لعب دوراً رئيسياً في تصعيد تدخل الولايات المتحدة في فيتنام، وقتها عن شكوكه في انتصار القوات الأمريكية بنهاية عام 1966. وفي منتصف أغسطس من عام 1973 تم سحب جميع القوات الأمريكية في مشهد لا يُنسى، أطلق عليه البعض الهروب الكبير، وبلغ عدد قتلى الجيش الأمريكي في الصراع الفيتنامي 58220 قتيلاً، بخلاف المفقودين، وكان تأثير الحرب على المشهد السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي العالم أجمع، كبيراً ومؤثراً بدرجة كبيرة.

    هذا عن طالبان والولايات المتحدة الأمريكية، أما الحكومة الأفغانية التي فر قادتها وانهار جيشها، فليس ثمة أبلغ من كلام بايدن عنها في خطابه عندما قال: «أنفقنا أكثر من تريليون دولار، وحدّثنا ودربنا قواتهم، وأعطيناهم كل ما يريدون، ودفعنا رواتبهم. لقد منحناهم كل فرصة لتقرير مستقبلهم. لم نتمكن من تزويدهم بالإرادة للقتال من أجل هذا المستقبل».

    وهنا مربط الفرس، فأنت «يمكنك أن تقود الحصان إلى الماء، ولكن لا تستطيع أن تجعله يشرب» كما يقول المثل الكوري، فهل كان الماء الذي قاد الأمريكيون الأفغان إليه زلالاً صافياً، أم أن ثمة شوائب كانت في الماء حالت دون شرب الأفغان منه؟ ربما كان هذا هو السؤال الذي يمكن طرحه أمام المشهد الذي انجلى عن جيش قوامه 300 ألف جندي، مزودين بأحدث الأسلحة، ينهزمون أمام ميليشيا مكونة من 80 ألف مقاتل مسلحين بأسلحة خفيفة.

    مشاهدُ عدْوِ عددٍ من الأفغان خلف طائرة عسكرية أمريكية في مطار كابول، وسقوط عدد من الشبان من فوق جناحها وهم يحاولون الفرار من عاصمة بلادهم، جعلتني أتذكر رواية الكاتب الأفغاني خالد حسيني «عدّاء الطائرة الورقية».

    هل تصور أولئك الذين كانوا يعدون خلف الطائرة العسكرية الأمريكية أنهم أمير وحسن، بطلا الرواية اللذان كانا يعدوان خلف الطائرات الورقية في كابول، أم أن الأفغان لم يعودوا يفرّقون بين الطائرات الحقيقية التي تنتهك سماء عاصمتهم كل يوم، وتلك الطائرات الورقية التي لم يعد لها وجود إلا في روايات كُتّابهم؟

    طباعة Email