العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    دُبيّ.. مدينةُ الربح والبشارة

    بروحٍ مُفعمةٍ بمشاعر الأمل والتصميم والبشارة كتب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، التدوينة التالية على حسابه في «تويتر»: «أطلقنا بحمد الله إحدى مراحل مجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية _ الأكبر عالمياً في موقع واحد _، المرحلة تمثل 300 ميجا تكفي 90 ألف منزل، وهدفنا من المشروع الضخم 5000 ميجا قبل 2030 بإذن الله، الطاقة النظيفة في دبيّ ستشكّل 13% قبل نهاية العام، وهدفنا 75% قبل 2050م، ونمضي وفق خطتنا بنجاح، لدينا نموذج جديد لإنتاج الطاقة بالشراكة مع القطاع الخاص في دبيّ، حيث استقطبنا 40 مليار درهم استثمارات من القطاع الخاص لإنتاج الطاقة بدبيّ نتيجة الثقة العالية في مستقبل الإمارة الاقتصادي»، ونقول لهم: «الجميع ينجح ويربح في دبيّ، والقادم دائماً أجمل وأعظم».

    لستُ من أهل الاختصاص كي أعلّق على ما تعنيه هذه الخطوة التقنية العظيمة في تاريخ دبيّ، لكنني سأكتفي بالتعليق على السطر الأخير في هذه التدوينة الثمينة: «الجميع ينجح ويربح في دبيّ، والقادم دائماً أجمل وأعظم» لأسترجع الأصداء العميقة لموقع دبيّ في وجدان صاحب السموّ، والتي سعى في تخليدها بكل ما يستطيع من إمكانات، وكتب تاريخها بدمه وعرقه وسهره وتعبه وشعره ونثره، وصان من خلالها وصية والده، شيخ دبيّ ومؤسس نهضتها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، الذي وضع دبيّ في حبّة قلبه، وتحمّل في سبيل بنائها أعظم المشقات، وخاض من أجل نهضتها أصعب المغامرات، وكم كانت ستكون عينه قريرة وهو يشاهد دبيّ تشقّ عنان السماء، وتناطح السحاب وهي تصنع قصتها الفريدة في البناء والإعمار، وتحقيق البصمة الحضارية الخاصة من خلال مشروعاتها العملاقة التي جعلت منها مدينة عالمية ووجهة إنسانية للنشاط التجاري والاقتصادي الذي يعكس حيويتها، وانفتاحها، وعمق الثقة بها، وقدرتها على تجاوز الظروف العصيبة، وتجديد النشاط رغم كل الظروف، لتظل دبيّ كما أراد لها راعي مسيرتها ووارث مجدها مدينة ذات جاذبية عالمية قادرة على صنع المعجزات وترويض المستحيل.

    مخطئٌ، بل مخطئٌ جدًّا من يظن أنّ دبيّ وليدة الصدفة والظروف النفطية الحديثة، وهذا الخطأ والوهم قد تنبّه له مبكراً، وبدّده بأصالة واقتدار صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين عقد فصلاً رائعاً للحديث عن تاريخ دبيّ عنوانه «185 عاماً من البحث عن دبيّ» وجعله القصة الثامنة من كتابه (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً)، حيث أبدع صاحب السموّ في الكشف عن العمق التاريخي لهذه اللؤلؤة الرائعة، وأكد أنّ قصة دبي هي قصة طويلة من الكفاح الشاق والتغلب على مخاطر هدّدت وجودها واستمراريتها، مؤكداً بنبرة مملوءة بالثقة والعزيمة أن دبيّ اليوم هي دانة الدنيا، وستبقى دانة شامخة بعزّها ومجدها وإنجازاتها، فهي المدينة التي تأسست منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وتمّ تأسيسها من خلال إرساء مبدأ العدالة للقريب والبعيد، فكان ذلك جزءاً أساسياً من إرث الأسرة الحاكمة التي عاشت تطبق فكرة: لا نظلِمُ ولا نُظلم، لتكون العدالة بحسب عبارة صاحب السموّ هي الدرس الأول في دستور دبيّ غير المكتوب.

    إنّ البحث عن هذه الجذور العميقة لنشأة دبي هو الذي يضيء لنا الطريق ونحن نحاول أن نفهم أسرار نجاح هذه الإمارة المفعمة بالنشاط والحيوية، وليس المقام متسعاً لسرد السياق التاريخي الماتع المليء بالتحديات كما قصّه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لكنني سأكتفي بالإشارة إلى المرحلة الزاهرة التي شهدتها الإمارة مع مجيء الشيخ سعيد بن مكتوم، رحمه الله، جد صاحب السموّ الذي تسلّم مقاليد الإمارة عام 1912 وظل على رأس السلطة لمدة خمسة عقود شهدت خلالها الإمارة زيادة كبيرة في عدد السكان، مصحوباً ذلك بازدهار التجارة البحرية في مجال الأقمشة والأعشاب والبخور، حيث عمل الشيخ سعيد، رحمه الله، على تبني سياسة الاقتصاد المفتوح وتحرير التجارة من جميع أشكال الرسوم مما أسهم في دفع عجلة التنمية، وتقوية إرادة دبيّ لتحمل جميع الظروف الاقتصادية الصعبة التي حاقت بالعالم بسبب الانهيار الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي لكنّ دبي لا تعرف الاستسلام، وظلّت تقاوم وتبحث عن البدائل حتى جاءت مرحلة حكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، الذي أعطى دبيّ شبابه وعمره وخبرته وحبّه وصبره، وأبدع في تأسيسها وإطلاق طاقاتها الكامنة، وفتح آفاقها الواسعة لتكون بصمته الخالدة على دبيّ هي كلمة السرّ في تفسير جميع ما وصلت إليه هذه المدينة المعجزة.

    ثم تسلّم هذه الأمانة ساعده الأيمن وسيفه الذي لا ينبو، صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فآلت مقاليد دبيّ إلى فارسها وعاشقها وحارس قلعتها والساهر على راحتها، والساعي بلا كلل في سبيل صناعة مجدها وتاريخها، فدخلت في عهده السعيد إلى التاريخ من أوسع أبوابه، وشهدت تطوراً يستعصي أحياناً على التفسير وهو ما لا تسمح هذه المقالة بذكر أقل القليل منه لكنني سأكتفي باقتباس الكلمات الرائعة التي ختم بها صاحب السموّ قصة نشأة دبي حين قال: «وصيّة جدي لنا هي التنوع الاقتصادي وعدم الاعتماد على مصدر واحد، وهو ما سار عليه أبي الشيخ راشد من خلال بناء الموانئ، وتوسيع الخور، وتطوير المناطق الحرة والمطار، وإطلاق الشركات الكبرى»، حتى إذا سئل صاحب السموّ عن سرّ إطلاق دبيّ الدائم للمشاريع الكبرى المتنوعة، كانت إجابة صاحب السموّ: «الإجابة هي في دستور دبيّ غير المكتوب: تنويع المصادر هو القاعدة الرابعة لنجاح دبيّ، هو وصية تتوارثها الأسرة الحاكمة، هو الضمان أن ما وصلنا إليه بعد رحلة كفاح استمرت أكثر من 185 عاماً لا يمكن أن نتخلى عنه بالاعتماد على مصدر واحد للدخل، ومصدر واحد فقط للحياة».

    هذه هي دبيّ، قصة زاهرة عبر التاريخ، من عرف ماضيها استطاع أن يفسّر حاضرها، والسلام عليها وعلى فرسانها البُناة الشجعان الذين أحبوها وغرسوها وردة في قلوب أبناء الوطن، يسقونها من دمهم إن شحّ عليها الماء، ويتعطّرون بترابها الذي هو في أرواحهم أغلى من كل مسك وطيب.

    طباعة Email