العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    نابليون ليس دائماً على حق

    «نابليون دائماً على حق» هي العبارة التي كان يرددها «بوكسر». كان «بوكسر» حصان جر مخلصاً ومتفانياً وطيباً ومحترماً. كان ضخماً مرتفع القامة، يبلغ من القوة ما لا يتاح لحصانين مجتمعين معاً، وتحت أنفه شامة بيضاء تضفي عليه سمات الغباء. كان في الواقع سطحيَّ التفكير، وإن استطاع أن يكتسب لنفسه احترام زملائه من الحيوانات الأخرى نظراً لطاقته الضخمة في العمل، وما يتمتع به من أخلاق عريقة.

    هكذا جاء وصف الحصان «بوكسر» في رواية «مزرعة الحيوان» للكاتب البريطاني الشهير جورج أورويل، والتي جاء ترتيبها 31 في قائمة أفضل روايات القرن العشرين التي أعدتها دار «مودن لايبراري» للنشر، وضُمِّنت في مجموعة «ذخائر كتب العالم الغربي» التي تنشرها شركة الموسوعة البريطانية، وتُرجِمت لأكثر من 70 لغة، وقرأها الملايين في كل أنحاء العالم، لتصبح هي وروايته الأخرى «1984» الروايتين اللتين تم بيع نسخهما معاً أكثر من أي كتاب آخر لأيٍّ من كتاب القرن العشرين.

    «نابليون» في رواية جورج أورويل ليس هو القائد الفرنسي الشهير نابليون بونابرت، ولكنه خنزير ضخم الحجم، ذا قسمات قاسية، لا يمتاز بطلاقة اللسان، ولكنه مع ذلك كان دائماً يصل إلى أغراضه بوسائله الخاصة، انفرد بالسلطة بعد إقصاء رفيقه سنوبول، ومضى يراكم سلطته معتمداً على الدعاية المضلة التي يوفرها له ذراعه الأيمن ووزير دعايته سكويلر، وعلى كلاب الحراسة الشرسة التي أخذها من أهلها عندما كانت جراء صغيرة، ورباها على يده حتى كبرت وضمنت له خضوع الحيوانات الأخرى. وقد قادت ثقة «بوكسر» العمياء في نابليون إلى حتفه، وكان ترديده لمقولة «نابليون دائماً على حق» دليلاً على سذاجته.

    رواية «مزرعة الحيوان» التي تُصنَّف على أنها رواية دستوبية، تعتبر إسقاطاً على الأحداث التي سبقت عهد «ستالين» وخلاله قبل الحرب العالمية الثانية، وتحكي عن مجموعة من الحيوانات قررت القيام بثورة ضد السيد «جونز» مالك مزرعة «مانور» التي تعيش فيها، لتحكم نفسها بنفسها وتتولى شؤون حياتها، وذلك بعد الحلم الذي رآه الخنزير الهرم الحكيم «ماجور» الحائز على جائزة معرض ويلنجدون، فرأى أن يذيعه على كل حيوانات المزرعة، وبعد الخطبة الحماسية الطويلة التي ألقاها على الحيوانات التي اجتمعت في تلك الليلة للاستماع إليه.

    تنجح ثورة الحيوانات بعد أن قضى «ماجور» نحبه بثلاثة شهور، ويهرب السيد جونز وزوجته، وأمام بوابة المزرعة يمسك «سنوبول» بالفرشاة في شق ظلفه، باعتباره أحسن من في المزرعة خطاً وأعرفهم بالكتابة، حيث يقوم بشطب اسم المزرعة القديم «مانور» ويكتب بدلاً منه «مزرعة الحيوان» لتبدأ حقبة جديدة في حياة حيوانات المزرعة، تدشنها الوصايا السبع التي توصل إليها «سنوبول» و«نابليون» مختصرين المذهب الحيواني الجديد الذي بشر به «ماجور» قبل وفاته، والتي كتبها «سنوبول» بالطلاء الأبيض على الحائط الأسود، وهي:

    أولاً: كل من يمشي على رجلين اثنتين إنما هو من الأعداء!

    ثانياً: كل من يدب على أربع أو له جناحان إنما هو من الأصدقاء!

    ثالثاً: غير مسموح للحيوانات بارتداء الملابس!

    رابعاً: غير مسموح للحيوانات بالنوم على الأسرة!

    خامساً: غير مسموح للحيوانات بشرب الخمر!

    سادساً: على الحيوان ألا يقتل حيواناً آخر.

    سابعاً: كل الحيوانات سواسية.

    وكان الشعار الذي أخذت تردده الحيوانات هو «ذوات الأربع أخيار، ذوو الرِّجْلين أشرار».مرت سنوات تغيرت فيها أشياء كثيرة، ومن ضمن الأشياء التي تغيرت أن الخنازير أصبحت تمشي على أرجلها الخلفية فقط، وتغير الشعار الذي كانت تردده الحيوانات ليصبح «ذوات الأربع أخيار، ذوو الرجلين أفضل». أما الوصايا السبع التي كانت مدونة على الحائط الأسود بالطلاء الأبيض فلم يعد أي منها موجوداً، حيث لم يبق على الحائط إلا وصية واحدة نصها: «كل الحيوانات سواسية، ولكن بعض الحيوانات أكثر مساواة بعضها لبعض».

    ثم عاد للمزرعة اسمها القديم «مزرعة مانور». «نابليون دائماً على حق» لم تكن مجرد جملة عابرة أوردها جورج أورويل على لسان أحد أبطال روايته «مزرعة الحيوان»، ولكنه شعار يرفعه كل السذج الذين هم على شاكلة «بوكسر» الساذج، المنخدعين بقياداتهم، المستسلمين لإرادة هذه القيادات المخادعة.

    وهو ينطبق على كل زمان ومكان، وليس مقصوراً على الحقبة التي كتب عنها أورويل، أو قصدها من روايته تلك. وما نشاهده من تحولات في عصرنا الحاضر، وفي بعض البلدان العربية على وجه الخصوص، خير دليل على أن «نابليون ليس دائماً حق».

    طباعة Email