العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    أسبوع الحسم النهائي في تونس

    لن يهدأ بال البعض في تونس وخارجها حتّى يروا عجلة التاريخ تعود إلى ما قبل 25 يوليو 2021 وهو التاريخ المفصلي الذي قرّر فيه الرئيس قيس سعيّد إنهاء مهزلة المنظومة السياسية التي أرستها حركة النهضة الإخوانية، والتي عبثت بالدولة والمجتمع واستباحت مقدّرات تونس وفقّرت شعبها، وجعلته فريسة سهلة للجوع والأوبئة والجهل.

    وقد أكّدنا سابقاً وفي أكثر من موقع أنّ الثورات المضادّة أي تلك المعادية للتطوّر والمعاكسة لخطّ سير التاريخ، قد تكسب جولة أو جولات، ولكنّها لا تكسب حروباً، لأنّ التاريخ يأبى السّيْر لغير الأمام.

    ثلاثة أسابيع مرّت على تاريخ 25 يوليو ولكنّها لم تكن كافية لحركة النهضة الإخوانية كي تُقنع مَنْ تتوهّم أنّهم من داعميها إقليمياً ودولياً بسلامة مواقفها وسياساتها وفشلت بالتالي كلّ مساعيها في جرّهم إلى صفّها. وجاءت جلّ المواقف الدولية والإقليمية داعمة للشعب التونسي ولإصلاح منظومة الفساد التي ركّزتها النهضة الإخوانية وشركاؤها وأكّدت هذه المواقف وآخرها الخارجية الأمريكية أنّ الشعب التونسي جدير بِحُكْمٍ «صادق وفاعل وشفّاف وديمقراطي» وهي مواصفات يُجمع الملاحظون والأطراف السياسية في تونس على أنّها كانت الغائب الأكبر في منظومة «النهضة الإخوانية».

    وإنّ ما قد تراه هذه الأخيرة - وهي واهمة في ذلك - ضغطاً دولياً مسلّطاً على الرئيس التونسي قيس سعيّد هو واقع الأمر مطلبية تونسية بحتة وجّه بشأنها الرئيس سعيّد رسائل طمأنة عديدة للتونسيين ولغيرهم ومن ذلك «الحثّ على العودة السريعة للحياة البرلمانية» و«الحاجة الملحّة إلى تعيين رئيس حكومة» يكون قادراً مع فريق عمله على تجاوز الأزمة الاقتصادية وخلق الظروف الملائمة لتوفير «مساحة لحوار شامل حول الإصلاحات الدستورية والانتخابية المقترحة استجابة للمطالب التي أعرب عنها العديد من التونسيين على نطاق واسع» بحسب ما جاء في بيان الخارجية الأمريكية أمس الأوّل.

    من الواضح إذن أنّ واشنطن كما غيرها ينظرون إلى منظومة «الإخوان» كمنظومة منتهية الصلاحيات، وهُم لذلك يدفعون باتجاه فتح الحوار وتوسيع المشاركة إلى المجتمع المدني من أجل وضع حجر الأساس لمنظومة سياسية يقبل بها التونسيون.

    وأمّا عن مسألة العودة السريعة للحياة البرلمانية فهي مطلب من مطالب التونسيين وليس في الأساس مطلب أيّ طرف إقليمي أو دولي ولكنّ تحقيق هذا المطلب يجب ألّا يكون على حساب الأهداف التي من أجلها قامت حركة 25 يوليو، وهي تنقية البرلمان من الفاسدين وأولئك الذين تعلّقت بهم شبهات إرهاب أو الذين ثبت تجاوزهم للقانون. وتقديرنا للأمر أنّ البرلمان يجب يكون في المرحلة المقبلة مؤسّسة لتصريف الأمور في انتظار انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.

    وفي كلّ الحالات، فإنّ الرئيس قيس سعيّد أكّد أكثر من مرّة الطابع الوقتي للإجراءات التي اتخذها يوم 25 يوليو، وطمأن إلى أنّ الأمور ستعود إلى نصابها متى زالت الأسباب التي دفعته إلى تعليق نشاط البرلمان.

    ونعتقد مرّة أخرى بأنّ الخلفية الحقوقية لرئيس الجمهورية ستكون محدّدة في سياسته ومواقفه المستقبلية بعيداً عن محاولات التشكيك التي تحاول النهضة الإخوانية ومن شاركها المصلحة والغنيمة بثّها بين الناس، ولدى من لا يزال يستمع إليهم إقليمياً ودولياً.

    قضية الإسراع بتعيين رئيس حكومة هي الأخرى مطلب أساسي من مطالب التونسيين وهي شرط ضروري لتفعيل العمل الإداري والمرافق العمومية، وهي لذلك الشّغل الشّاغل للرئيس التونسي بحسب ما بلغنا من مصدر مقرّب منه، غير أنّ قيس سعيّد رافض بشدّة لأيّ تدخّل أجنبي في الموضوع وهو موقف يشاركه فيه أغلب الأطراف المجتمعية وبالخصوص الاتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد العمّال)، وفِي المقابل يشدّد الكلّ في تونس أنّ رئيس الحكومة القادم يجب أن يكون من ذوي الكفاءة والمعرفة بالشّأن العام وبالدولة وبعيداً عن منطق الولاء المطلق الذي طبع اختيارات النهضة الإخوانية، والتي قادتها إلى العمى السياسي والفشل وإلى نهاية فترة حُكْمِها.

    إنّ تونس في مفترق طريق سيوصلها بلا شكّ إلى الخلاص لو واصل الرئيس طريقه السالك لدحر كيان كلّ من تجرّأ على الدولة التونسية وحاول الفتك بالمجتمع من خلال توظيفات أخلاقية مغشوشة واستعمال للدين في غير موضعه.

    وإنّ الاستجابة لمطالب الشعب التونسي أمر ضروري ومحمود شريطة ألا يقود إلى الوهم بدل الحلم الجميل وأيسر السُّبُل إلى الانسياق والانزلاق نحو الوهم والتوهّم هي تلك التي تكون مفروشة بالجهل السياسي والمعرفي وبانعدام العلم بتاريخ الشعوب والمجتمعات ومن لا يقرأ التاريخ ينزع دوماً إلى تكراره، ولكن مع ضمان الفشل المحتوم. إنّ هذا الأسبوع سيكون أسبوع الحسم النهائي وإنّ أبواب النجاح والخلاص بيّنة لو كانوا يعلمون.

    طباعة Email