العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    على أي أساس يتم اتخاذ القرارات الكبرى؟

    هل يفترض أن المسؤول الأعلى في أي دولة يتخذ القرارات عموماً، والكبرى خصوصاً بناء على رغبة ومشاعر وعواطف الرأي العام، أم أن الأمر أكثر تعقيداً، ويخضع لعديد من العوامل التي قد لا يدركها المواطن العادي؟!أطرح السؤال السابق بعد الجدل الموجود في الشارع السياسي المصري بشأن الطريقة الأفضل لتعامل مصر مع قضية سد النهضة، الذي تقيمه إثيوبيا، على النيل الأزرق، وتصر على إنشائه وتشغيله بصورة أحادية منفردة، ما يؤثر على الحقوق المائية المصرية والسودانية.

    وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً إيجابياً في العديد من المجالات، لكن لها أدوار سلبية كثيرة أيضاً، ومن بينها أنها جعلت كل شخص يفتي في ما لا يعرفه، بل ويتحول إلى خبير استراتيجي في كل المجالات من أول التدريب الكروي إلى الحروب الكبرى!

    المنطقي أن أي- قرار تتخذه أي حكومة يفترض أن يكون معبراً عن الرأي العام في هذه الدولة، حتى يحصل على الدعم والتأييد اللازمين، ما يكسبه قوة إضافية، لكن السؤال: هل هذا الرأي العام مطلع بدقة وبصورة كاملة وواضحة على كل تفاصيل المشهد، حتى يكون رأيه صحيحاً وعلى درجة عالية من الصواب؟!

    في كثير من المشاكل والأزمات، لا يمكن لأي حكومة أن تكشف كل المعلومات والبيانات والأرقام والحقائق كاملة أمام الرأي العام، لأنها لو فعلت ذلك فقد يتعرض أمنها القومي للخطر الشديد، وبالتالي فإن هذا الرأي العام، قد لا يكون مطلعاً بدقة على كل المشهد، والنتيجة أن رأيه قد لا يعبر عن الأفضل، وبالتالي فالحكومات تطلع الرأي العام على أكبر قدر من المعلومات والحقائق بشأن القضايا الكبرى المثارة، حتى تضمن تأييده ودعمه، وحتى يكون رأيه معبراً عن الصواب، شرط ألا يعرض هذا الاطلاع الأمن القومي للدولة للخطر.

    وتحدث المشكلة حين تقوم بعض الحكومات بـ«تسخين» الرأي العام نحو الموقف الأكثر تشدّداً، ثم فجأة تطلب منه الهدوء، في هذه الحالة قد يصاب الرأي العام بحالة من الارتباك، ما ينعكس لاحقاً على دعمه هذه القرارات التي تتخذها حكومته.

    أعود إلى السؤال الذي بدأت به، وإذا طبقناه على قضية سد النهضة، فسوف نكتشف أن عدداً كبيراً من المصريين يطالب حكومته بشن حرب حفاظاً على الحقوق المائية المصرية التاريخية في نهر النيل.

    في هذه السطور لا أناقش هل يفترض أن نشن حرباً، أم نتمسك بالمفاوضات، ولا أناقش حق المصريين في المخاوف الطبيعية بشأن المياه التي نعتمد على 95% منها من مياه النيل، لكن أناقش فقط ضرورة الموازنة بين حق الرأي العام في المعرفة والفهم، وبين الاعتبارات المتداخلة والحسابات المعقدة أمام صانع القرار في مثل هذه الأزمات الكبرى.

    المواطن البسيط الذي يجلس على كنبة أمام بيته، أو مقعد وثير أمام التلفزيون أو مقر عمله أو على مقهى مع أصدقائه، من حقه أن يفتي كما يشاء، وأن يقترح الحلول التي يراها مناسبة للتعامل مع كل القضايا، لكن عليه وهو يفعل ذلك، أن يدرك أن اتخاذ القرار النهائي بشأن القضايا الكبرى يخضع لعوامل متشابكة ومعقدة للغاية، وليس قراراً سهلاً على الإطلاق.

    إذا كانت الجماهير لا ترحم أو تسامح مدرب كرة القدم، الذي يخطئ في تشكيل فريقه، ما قد يعرضه للهزيمة أمام الخصم، فماذا ستفعل مع من يتخذ قرارات كبرى تخص مصير البلاد؟!

    وبالتالي فعلى الرأي العام- مع كل الاحترام له- أن يقتنع بأن اتخاذ القرارات المصيرية الكبرى، ينبغي ألا يتم بناء على حسابات جلسات المقاهي أو الدردشة في وسائل التواصل الاجتماعي، بل هو قرار شديد الخطورة، يتخذه صانع القرار بناء على حسابات مختلفة ومتداخلة ومعقدة، ولا يمكن للرأي العام أن يطلع على كل تفاصيلها.

    وفى المقابل على الحكومة- أي حكومة- وهى تتخذ مثل هذه القرارات الكبرى أن تقنع الرأي العام، بأنها اتخذت أفضل قرار ممكن في ظل الظروف المتاحة.

    طباعة Email