العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الارتطام بسقف الطموح

    ما الذي يدعو سيدة منحدرة من عائلة إقطاعية، تلقت تعليمها في جامعتي هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية وأكسفورد بالمملكة المتحدة، إلى التضحية بحياة الرفاهية التي كان يمكن أن تعيشها، وقضاء سنوات عمرها بين السجون والمعتقلات والإقامات الجبرية والمنافي، والتعرض لمحاولات الاغتيال كي تقضي نحبها وهي في الرابعة والخمسين من عمرها، بعد أن سجلت اسمها أول امرأة تنتخب لرئاسة الحكومة في دولة إسلامية؟

    كان هذا هو السؤال الذي ظل يلح عليّ وأنا أقرأ كتاب «ابنة القدر.. بنازير بوتو.. سيرة ذاتية»، الذي يسلط الضوء على حياة السيدة التي تولت رئاسة الوزراء في باكستان مرتين، والذي صدر بعد اغتيالها بثلاث سنوات.

    كان من المفروض أن يكون مستقبل بنازير، أو «بي نظير» كما يكتب البعض اسمها، مشرقاً بعد أن تلقت تعليمها في أرقى جامعتين غربيتين، لولا تحوُّل مسار حياتها بعد الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال ضياء الحق عام 1977 ضد والدها ذوالفقار علي بوتو، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية عام 1971 بعد الحرب بين باكستان والهند وانفصال باكستان الشرقية عن الغربية وتقديم الرئيس يحيى خان استقالته. ثم شغل منصب رئيس الوزراء عام 1973 بعد إقرار الجمعية الوطنية للدستور، قبل أن ينقلب عليه رئيس أركان جيشه الجنرال ضياء الحق عام 1977م، ثم يحكم عليه بالإعدام وينفذ الحكم في 4 أبريل 1979، رغم المناشدات الدولية العديدة بعدم تنفيذ الحكم.

    هكذا وجدت بنازير بوتو نفسها أمام لحظة تاريخية فرضت عليها مواصلة الطريق الذي مشى فيه والدها، وقيادة حزب «الشعب» الذي أسسه عام 1967، وظلت عائلة بوتو تهيمن على قيادته بعد إعدام مؤسسه. لهذا كان قرار بنازير بالتخلي عن طموحاتها الشخصية لصالح طموحها السياسي عاملاً مفصلياً في تحول حياتها إلى سلسلة من المطاردات التي تعرضت لها داخل باكستان وفي المنافي التي مرت بها.

    لماذا عادت بنازير من منفاها الأخير إلى باكستان، وهل كانت تعرف أن حياتها كانت معرضة للخطر؟

    تقول بوتو في نهاية الكتاب الذي يقع في 616 صفحة: (أتهيأ الآن للعودة إلى مستقبل مجهول في باكستان في العام 2007. أعرف جيداً أن المخاطر لا تكون لي وحدي فقط، ولكن لبلادي وللعالم بأسره، ومن الجائز أن أُعتقَل. وأدركتُ أنه كما تم اغتيال بينينو أكينو في مانيلا في أغسطس من العام 1983 يمكن أن أقتل لدى وصولي إلى مدرج المطار، ومع ذلك فالقاعدة حاولت قتلي مرات عديدة. لماذا نعتقد بأنهم لن يحاولوا مرة ثانية لدى عودتي من المنفى؟ سأكافح من أجل انتخابات ديمقراطية هم يمقتونها، وسأفعل ما يجب فعله. إنني مصممة على العودة للوفاء بوعدي للشعب الباكستاني، وللوقوف إلى جانبه في تطلعاته الديمقراطية. أنا مستعدة لتحمل المجازفة من أجل جميع الأطفال في الباكستان. المسألة ليست مسألة نفوذ شخصي، إنها مسألة احترام أبسط حقوق الرجال والنساء... ربما لا يدرك البعض ما الذي يقودني إلى تقاطع الطرق هذا المحفوف بالمخاطر المجهولة في حياتي. ضحى الكثيرون تضحيات جسيمة ومات عدد كبير، ويرى الكثيرون فيّ الأمل المتبقي لهم من أجل الحرية.

    لذلك لا أستطيع التوقف عن الكفاح الآن. أتذكر قول الدكتور مارتن لوثر كينغ «تبدأ نهاية حياتنا في اليوم الذي نلزم فيه أنفسنا بالسكوت والتغاضي عن أمور مهمة فيها». وبقوة إيماني بالله فإنني أضع قدري بين يدي شعبي).

    يوم 18 أكتوبر 2007 عادت بنازير بوتو إلى باكستان لتجد في انتظارها تفجيرين انتحاريين استهدفا موكبها بعد منتصف ليل يوم 19 أكتوبر، أديا إلى مقتل 179 شخصاً، لكنها لم تصب بسوء. وفي 27 ديسمبر من العام نفسه كانت المحاولة الثانية، بعد خروجها من مؤتمر انتخابي لمناصريها. هذه المرة تلقت بوتو رصاصات في الرأس والعنق عندما كانت تقف في فتحة سقف السيارة لتحية الجماهير المحتشدة، تبعتها عملية تفجير قام بها انتحاري كان يبعد عنها 25 متراً، قُتِل فيه عشرون من مؤيديها.

    رواية السلطات الرسمية جاءت تتحدث عن وفاة بنازير «جرّاءَ ارتطامِ رأسِها بسقف السيارة المصفحة التي كانت تركبها»! لم يكن سقف السيارة المصفحة التي كانت تركبها هو ما ارتطم به رأس السيدة بنازير بوتو، ولكنه سقف طموح منافسيها الذين يرون أن من حقهم استخدام كل الأساليب للحيلولة دون اقتراب الآخرين من سقوفهم.

    طباعة Email