العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    العالم ليس بخير

    ثمة مؤشرات قوية على أن الوضع السياسي الدولي أصبح مثيراً للقلق، فهو آخذ بالتردي بسرعة، خاصة أن قادة الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا، لم يعودوا يخفون في تصريحاتهم بأن هناك «حروباً رمادية» مشتعلة بينهم. فالعلاقات بين أبرز قوتين نوويتين، الولايات المتحدة وروسيا، لم تصل إلى المستوى الذي نشهده من البرود والتدني منذ انتهاء الحرب الباردة. الاجتماع بين الرئيسين بايدن وبوتين الذي جرى مؤخراً في جنيف لم يفلح سوى بإعادة سفيري البلدين لمباشرة مهامهما في كل من واشنطن وموسكو وبقيت ملفات الخلافات العديدة مفتوحة دون الاتفاق على تسوية.

    حرص الرئيس بايدن على تقويض قرارات سلفه، إلا أنه لم يذهب في ذلك إلى ما يتعلق باتفاقيات ذات طابع عسكري أو قريب الشبه من ذلك ومنها اتفاقية الأجواء المفتوحة التي قرر سلفه الانسحاب منها في مايو 2019.

    موسكو، الشريك الأبرز في الاتفاقية، عبرت عن أسفها لقرار واشنطن لأن هذه الاتفاقية وفق ما ذكرته المصادر الروسية هي «الوثيقة الأساسية لضمان الثقة المتبادلة في أوروبا». سارت روسيا لاحقاً في الاتجاه نفسه حيث قررت هي الأخرى الانسحاب من هذه الاتفاقية في مايو 2021.

    هذه الاتفاقية جديرة بالتوقف عندها لأهميتها الأمنية عالمياً فقد كان الرئيس الأمريكي دوايت آيزنهاور، أول من اقترحها عند لقائه رئيس الوزراء السوفيتي نيقولا بولغانن، في مؤتمر جنيف عام 1955 حين وصلت الاحتقانات في العلاقات الدولية بينهما أقصاها، اتفاقية يُسمح بموجبها قيام كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بطلعات جوية فوق أراضي بعضهما البعض للإطمئنان على عدم وجود نوايا لهجمات مبيتة وهو مقترح رفضته الإدارة السوفيتية في حينه، بعد أن كانت قريبة جداً من دخول عالم الفضاء الخارجي وإطلاق أول قمر إصطناعي يغنيها عن قبول المقترح الأمريكي.

    إلا أن مقترح الرئيس آيزنهاور قد توسع لاحقاً بعد سقوط الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن المنصرم ليصار إلى اتفاقية وقعت عام 1992 في العاصمة الفنلندية هلسنكي إبان عهد الرئيس الأمريكي جورج بوش «الأب» لتضم أربعة وثلاثين دولة بينها دول من حلف الناتو وأخرى كانت في حلف وارسو المنحل وأخرى محايدة، وقد دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ عام 2002.

    يُسمح وفق الاتفاقية لأية دولة عضو فيها بغض النظر عن حجمها القيام بعدد محدد من الطلعات الجوية غير المسلحة سنوياً فوق أراضي أية دولة أخرى عضو في الاتفاقية بغية التعرف على القدرات العسكرية التي تملكها تلك الدولة والتي تتحسب دولة الاستطلاع من نواياها. هناك تفاصيل فنية كثيرة تحدد عدد الطلعات الجوية ودور الدولة المضيفة فيها وحقها في الحصول على نسخة مما جمعتها هذه الطلعات من معلومات.

    شُرعت هذه الاتفاقية لوضع المزيد من العقبات أمام نشوب صراعات مسلحة، إقليمية أو دولية، وتعتبر واحدة من أبرز الجهود الدولية التي بذلت حتى يومنا الحاضر لتعزيز السلم في العالم عبر الانفتاح والشفافية وكشف القدرات والأنشطة التي ربما تهدد ذلك.

    الاتفاقيات بكافة أحجامها سواء كانت بين دولتين أو بين دول عديدة، وسواء كانت ذات طابع سياسي أو اقتصادي أو ثقافي أو بيئي أو غير ذلك، هي جسور تعزز التفاهمات بين الدول وتخفف من الاحتقانات وترسخ قواعد السلم والاستقرار، تعددها يطمئن الأسرة الدولية على استبعاد بؤر التوتر والتشنجات. الاتفاقية التي نحن بصددها أصبحت حين إبرامها ذات طابع سياسي غرضها ترطيب الأجواء العالمية، فالولايات المتحدة وروسيا كانتا على بينة بأن أجهزة استخباراتهما ليستا بحاجة لتوافر أجواء مفتوحة.

    ليس من المستبعد أن يعود سباق التسلح الذي استعر إبان حقبة الحرب الباردة فلم تعد الولايات المتحدة ترى في روسيا الخصم الأخطر على مصالحها رغم أنها لم تسقطها من قائمة خصومها الأشداء، بل تنظر إلى الصين على أنها الخطر الحقيقي في تهديد نفوذها عالمياً. وانسجاماً مع هذا التصعيد في إضعاف أواصر السلم في العالم، تتخذ بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، قراراً برفع السقف الأقصى لمخزونها من الرؤوس الحربية النووية من 180 إلى 260 رأساً بزيادة تبلغ حوالي 45%، لتضع بذلك حداً لاستراتيجية نزع السلاح التدريجية التي جرى الأخذ بها أوروبياً منذ سقوط الاتحاد السوفيتي.

     

    *كاتب عراقي

    طباعة Email