العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    الاحتفاء بالعنصرية للفوز بالانتخابات

    العملة الصعبة للحركات المتطرفة حول العالم هي إلقاء الذعر لا في قلوب أعدائها فقط، وإنما في قلوب المتعاطفين معها. فهي تثير ذعر المتعاطفين من شيء ما يوشك أن يحدث. فهي تقوم بتضخيم حدث بعينه أو نفوذ قوي بعينها أو تبالغ في طرح قضايا يعتبرها أنصارها تهديداً لمقدراتهم أو تقاليدهم وأفكارهم ومعتقداتهم لتقنعهم بأن فكرها سيحميهم. وتلك الحركات إن لم تجد ما تضخمه، اخترعته. ولا يستثنى من ذلك تيار اليمين الأمريكي المتطرف.

    فالتطرف اليميني بأمريكا لا يخاطب البيض عموماً وإنما قطاع منهم يخشى على مقدراته وأوضاعه الاجتماعية التي أتاحها لهم كونهم من البيض في مجتمع ميز تاريخياً ضد غير البيض. وقد شكلت تلك الأوضاع التاريخية الثقافة الأمريكية، حيث اعتُبرت الهوية البيضاء وحدها المعبرة عن الهوية الأمريكية، وبالتالي اعتبرت قيم البيض وتقاليدهم هي بالضرورة القيم الأمريكية، الأمر الذي يجعلهم وحدهم تجسيداً للهوية الأمريكية. وبناء عليه كان على غير البيض الانصهار في تلك الهوية «البيضاء» وقطع صلتهم الثقافية والقيمية بما هو دونها.

    لكل ذلك، صار اليوم، لدى قطاع معتبر من البيض، قلق مصدره التغيرات السكانية التي تشهدها بلادهم، والتي سيصبح معها البيض أقلية في غضون عقود قليلة، مقارنة بباقي الأقليات مجتمعة. وهذا بالضبط ما تعبر عنه بل وتستخدمه حركات اليمين المتطرف. فهي في خطابها لا تسعى فقط لوقف ذلك التحول السكاني، عبر منع المهاجرين من غير البيض من دخول البلاد وإنما تسعى أيضاً لحرمان المواطنين الأمريكيين غير البيض من حقوقهم وخصوصاً حق التصويت. فالحق في التصويت وحده هو الذي يحول تلك التغيرات السكانية إلى قوة سياسية. غير أن المنظمات المنضوية تحت لواء تلك الحركة تسعى لما هو أبعد من ذلك. فهي تسعى أيضاً لحرمان غير البيض من حقهم، كمواطنين أمريكيين، في تقديم رؤى أكثر دقة لتاريخ بلادهم وحاضرها، بل وحرمان الأجيال الجديدة، من كل العرقيات والإثنيات، بما في ذلك البيض، من حقها في استيعاب ذلك التاريخ وتشكيل مستقبلها على نحو أكثر عدلاً ومساواة.

    ورغم هزيمة ترامب وخروجه من البيت الأبيض، فإن أهم ما يجري الآن بأمريكا يدور حول تلك المساعي الحثيثة التي تقوم بها الحركة ورموزها في الحكم والمجتمع، والتي كان ترامب قد منحها الشرعية أكثر من أي وقت مضى.

    فالأغلبيات الجمهورية في مجالس الولايات تولت مهمة حرمان غير البيض من حق التصويت. فهي راحت تخترع قواعد تجعل التصويت عملية بالغة الصعوبة على الأقليات خصوصاً السود والأمريكيين من أصول لاتينية. ورغم أن مسألة حرمان الأقليات من حق التصويت تضرب بجذورها في عمق التاريخ الأمريكي، إلا أنها تحولت، مؤخراً، لحملات محمومة بعدما تبين من نتائج انتخابات الرئاسة الماضية أن بايدن ما كان ليفوز بالرئاسة لولا خروج السود تحديداً بأعداد غفيرة للتصويت، ولا كان من الممكن للديمقراطيين الفوز بالأغلبية في مجلسي الكونجرس لولا أصوات الأقليات عموماً.

    وتلك الأغلبيات الجمهورية الحاكمة للولايات تولت أيضاً مهمة لا تقل رجعية وهي إصدار قوانين تمنع المدرسين بالمدارس والجامعات من تقديم رواية أمينة للتاريخ الأمريكي. فهناك حملات محمومة في عدة ولايات لحظر وصف العبودية ومنظمات التفوق الأبيض بصفات سلبية. وكأن المطلوب في القرن الواحد والعشرين تقديم العبودية باعتبارها ممارسة تاريخية إيجابية، واعتبار الأفكار التي تزعم تفوق البيض طبيعية ولا غبار عليها. أكثر من ذلك، صارت رموز تيار اليمين المتطرف في المجتمع والسياسة تشن حملات قوية تسعى لحظر أية إشارة للعنصرية المؤسسية التي عانت ولا يزال يعاني منها المجتمع الأمريكي. وهي العنصرية المؤسسية التي تأكدت بالأدلة خلال العقدين الأخيرين.

    غير أن الأخطر من هذا وذاك هو أن رموز تلك الحركة في المجتمع والسياسة لا تجد غضاضة في تقويض الديمقراطية الأمريكية في سبيل تحقيق أهدافها. فهذه الرموز، بمن فيها الأغلبية الساحقة من أعضاء الكونجرس الجمهوريين، تسعى للحشد الانتخابي بناء على تلك الحملات القائمة على أفكار بالغة التطرف لتعبئة قواها للفوز في انتخابات 2022 التشريعية و2024 الرئاسية.

    طباعة Email