العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    اتركوا تونس تتصالح مع تاريخها وقيمها

    مثّلت التغييرات السياسية الكبرى التي شهدتها تونس الأحد الماضي وعلى مدى كامل أيّام الأسبوع الحدث الأبرز في المنطقة، فقد أقدم الرئيس التونسي قيس سعيّد على اتّخاذ قرارات على درجة كبيرة من الأهمّية رأى فيها البعض «انقلاباً» على الدستور و«الثورة» ورأت فيها الأغلبية العظمى - ونحن منها - حركة تصحيحية من شأنها أن تضع حدّا للانحراف بقيم المجتمع التونسي وتوقف النزيف الذي سبّبته حركة «النهضة الإخوانية» التي طغت وتجبّرت وقادت البلاد إلى المهلكة والدمار.

    وقد لقيت قرارات الرئيس التونسي بتجميد نشاط البرلمان وبرفع الحصانة عن كامل النواب، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتحريك الملفّات القضائية ذات الصلة بالإرهاب والفساد تأييداً شعبياً واسعاً فاق الـ85 في المئة بحسب آخر «بارومتر» سياسي منشور.

    وبالطبع تحرّكت الماكينة الإعلامية والسياسية لحركة «الإخوان الدولية» واللوبيات التابعة لها لتشويه هذه القرارات وشيطنتها.

    وبالرغم من أنّ المواقف الإقليمية والدولية كانت عموماً غير معارضة لخطوات الرئيس التونسي، غير أنّ التردّد الذي طبع المواقف قوّى من خطاب المطالبة بضمانات حتى لا ينحرف مسار التصحيح نحو شكل جديد من الاستبداد السياسي رغم يقيننا التامّ بأنّ الخلفية الحقوقية لقيس سعيّد وكذلك إيمانه العميق بالديمقراطية يحصّنانه ضدّ هذا الانحراف.

    وبالطبع فإنّ التردّد وعدم التجرُّؤ على الوصول بالقرارات إلى منتهاها المنطقي يفتحان الباب أمام تدخّلات القوى الأجنبية التي لم تحسم أمرها بَعْدُ مع الحركات المتطرّفة التي تتحرّك تحت عباءة الدين.

    وإنّ ما تسرّب من معلومات عن اتّفاق قوّتين غربيتين  على خارطة طريق بخصوص تطوّرات الأوضاع في تونس ما يؤكّد هذا المنحى.

    وقد اتّفق الطرفان على مجموعة نقاط أهمّها، تحييد المؤسّستين الأمنية والعسكرية عن العمل السياسي والحزبي وبقاء الرئيس قيس سعيّد حتى آخر عهدته الرئاسية التي تنتهي سنة 2024 وعودة البرلمان إلى النشاط في أجل لا يتجاوز 28 أغسطس الجاري وتشكيل حكومة لا تكون «النهضة» ممثّلة فيها واستمرار راشد الغنّوشي على رأس مجلس النواب حتّى تركيز المحكمة الدستورية، وهي مجموعة نقاط قد كانت تمثّل مآلاً مناسباً لتجاوز الأزمة السياسية في تونس، لو لم تُسقط هذه المقترحات مطلباً أساسياً رفعه التونسيون على مدى العشر سنوات الأخيرة، وهو ضرورة تحريك الملفّات القضائية ذات الصلة بالإرهاب والفساد.

    وإنّ في إسقاط هذا المطلب المهمّ ما يُفيد أنّه لا تزال هناك بعض القوى تسعى إلى إيجاد مخارج لحركة «الإخوان الدولية»، وهي بذلك غير مقدّرة للخطورة الكبرى التي لا تزال تمثّلها مثل هذه الحركات المتطرّفة والمدمّرة لحضارة الإنسان، وهو الأمر الذي يدفعها دوماً إلى استنباط طرق عدّة لطمأنتها ولإبقائها داخل منظومة حُكْمٍ، رغم ما تسبّب فيه من تدمير ممنهج لأيّ منظومة سياسية ديمقراطية.

    ولا نعتقد أنّ مواقف القوى الغربية متماثلة بخصوص الوضع في تونس، رغم أنّها تتّحد من حيث اعتبار أنّ قرارات الرئيس التونسي لا تمثّل انقلابا على الدستور وبأنّ الطابع الوقتي لهذه القرارات يمثّل ضمانة لاستمرار المسار الديمقراطي، ولكن من المهمّ التأكيد على أنّ هذه القوى مستوعبة بالكامل أنّ حركة «النهضة الإخوانية» أصبحت من الماضي رغم مكابرة بعض هذه القوى الدولية.

    وإنّ أيّ محاولة لفرض حركات «الإخوان» على دولنا وفي مجتمعاتنا هو بلا شكّ عمل عدواني ضدّ الديمقراطية التي تتحرّك هذه الدول الغربية باسمها، وهو إبقاء على النار تحت الرماد، وهو إلى جانب ذلك إجهاض وإفشال لتجارب المسار الديمقراطي.

    وحركات «الإخوان» هي على وعي تامّ بأنّها فقدت الموقع والبوصلة، وإنّ كلّ المحاولات البائسة لإحيائها من جديد سيكون مآلها الفشل لأنّ عمليات زرع هذا الجسم في أجساد الشعوب العربية قابلتها ردود فعل رافضة، لأنّه جسم حامل لقيم متضاربة في العمق مع قيم مجتمعاتنا الأصيلة.

    يمرّ اليوم أسبوع كامل على قرارات الرئيس التونسي قيس سعيّد وهي قرارات ستغيّر بلا شكّ الواقع السياسي والحزبي التونسي.

    وقد كان لهذه القرارات مفعول الصدمة وإنّ عدم التعجيل بالقرارات المكمّلة من أجل فرض الأمر الواقع، وإنّ غياب الوضوح في الرؤية كذلك والتردّد سيؤدّيان إلى الفشل لأنّ غياب الجرأة والانزواء لا يصنعان انتصارات دائمة.

    لقد أضحى من العاجل والأكيد أن تكون هذه القرارات متبوعة بإجراءات مكمّلة حتى يعود الوطن إلى حضن أبنائه بعيداً عن المنغّصات «الإخوانية»، لأنّ قَدَرَ تونس هو أن تتصالح مع تاريخها وقيمها الحضارية المتفرّدة.

    طباعة Email