00
إكسبو 2020 دبي اليوم

ملحمة بناء الوطن والإنسان

ت + ت - الحجم الطبيعي

تحت وسْم «علّمتني الحياة» يواصل صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، نمطاً رائعاً من الكتابة والتواصل مع أبناء شعبه الذين يستلهمون سيرته ومسيرته المظفّرة في بناء الوطن والدولة والإنسان، ويجدون في هذه الومضات القصيرة في مبناها، العميقة في معناها زاداً وفيراً من الخبرات الريادية والأفكار النظرية التي تلهمهم سلوك طريق العمل والإنجاز وعدم الركون إلى ثقافة الكسل والبلادة، حيث يحرص صاحب السموّ على صياغة أفكاره من خلال لغة بسيطة واضحة مباشرة لإيمانه العميق بمقولة شهيرة للرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي والتي ذكرها في القصة الرابعة والعشرين من كتابه الماتع الرائع (قصتي: خمسون قصة في خمسين عاماً) يقول فيها: «البساطة هي أرقى درجات الاحترافية» ليشرح صاحب السموّ قناعته بهذه الفكرة الفلسفية البسيطة بقوله: «وأنا من أكبر المؤمنين بهذا المبدأ، لا يمكن أنْ تبسّط خطة معقّدة إلا إذا استوعبتها بشكل كامل أوّلاً، لا يمكن أن تكون لديك حكمة في الحياة إلا إذا استوعبت آلاف الحقائق والمواقف والعِبَر، ثمّ استطعتَ أن تختصرها بكلماتٍ بسيطة يستطيع آلاف الناس استيعابها والاستفادة منها لتكون حكمة خالدة».

من خلال هذا المنظور الرائع المُفيد يُطالعنا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، ومن خلال أكثر من منصّة بومضات تعزّز الإحساس الإيجابي بالحياة، وتحرّك الطاقات الكامنة، وتعيد ترتيب الأشياء ضمن الأولويات التي تستحقها، لتكون هذه الكلمات البسيطة المكثّفة خير دليل للأجيال التي تحتاج إلى هذه الخبرة التي تراكمت عبر مسيرة طويلة وشاقّة من العمل والتحديات، ومن أراد أن يتفهّم السياق العمليّ المليء بالتحديات في حياة صاحب السموّ فما عليه سوى أن يطالع بعين القلب والبصيرة ما كتبه صاحب السموّ عن المهام الصعبة التي أوكلت إليه بعد نشوء دولة الإمارات بحيث استقرّ في عقله الباطن أنه سيكون مسؤولاً عن حماية الاتحاد، وحسبك بهذه المهمة صعوبةً ومشقّة ومواصلة للعمل آناء الليل وأطراف النهار.

ترسيخ

في هذا السياق من الاهتمام المتواصل بترسيخ هذا النمط من الثقافة الإيجابية لدى الأجيال، وتنوير الوجدان العامّ للقُرّاء، نشر صاحب السموّ كلمة قصيرة تحت وسم «علمتني الحياة» على حسابَيْه في تويتر وإنستغرام لخّص فيها جوهر نظرته لمفهوم البناء والحياة، وأنه منذ أن تقلّد مسؤولياته في مسيرة الدولة كان مفتوح العينين والبصيرة على المعركة الكبرى التي يجب أن تُبذل فيها الطاقات، وتُسخّر لها كافة الموارد والإمكانيات مع الإعراض الواعي التام عن جميع المعارك الجانبية الصغرى التي سيكون الانشغال بها عقبة كؤوداً في وجه مسيرة المعركة الكبرى في البناء والإعمار.

(علّمتني الحياة: أنْ لا تشغلني الحياة بمعاركها الجانبية عن معركتنا الكبرى الحقيقية، معركة البناء والتنمية) بهذه الجملة الحازمة الجازمة يفتتح صاحب السموّ هذه التدوينة الثمينة مؤكّداً أنّ المعركة الكبرى، معركة البناء والتنمية التي ستأتي تفاصيلها ستكون هي البؤرة العميقة التي يجب أن تتوجّه إليها الجهود والطاقات، وهي الميدان الفسيح الذي ستتسابق فيه الخيول الأصيلة التي تجسد مواهب أبناء الوطن وقدراتهم، فإنّ الانشغال بالجزئي عن الكلّيّ هو سبب التعثر في كبير الأمور وصغيرها، وليس من الحكمة في شيءٍ أن يترك القائد بل والإنسان ميدانه الفسيح الذي يُنتظر منه تحقيق الأهداف لينشغل بما لا طائل تحته من الاهتمامات الشكلية والجزئية والفرعية على حساب الأصول والمنظور الشامل للحياة، وهذه الرؤية الثاقبة كان قد رسّخ بنيانها وقوّى دعائمها طيّب الذكرى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان رحمه الله يسانده في جميع ذلك كله رفيقه وعضيده وشريكه في بناء الوطن طيّب الذكرى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، واللذان كانا ينظران بعين البصيرة إلى الأولويات، ويدفعان بجميع الطاقات نحو إنجازها وعدم الانشغال بغيرها فكان ذلك نهجاً واضحاً لمسيرة الدولة واصل المسيرَ عليه رجالُها الكبار حين تسلّموا أمانة القيادة وحماية الوطن ومكتسباته، فكان ثمرة ذلك كله واحدة من أعظم معارك البناء والتنمية التي شهدها الوطن العربي بحيث تفوّقت دولة الإمارات العربية المتحدة على جميع دول الإقليم، وتقدمت في هذا المجال نحو مراكز متقدمة على المستوى العالمي وذلك بفضل التركيز القوي على هذا الميدان من ميادين العمل والحياة.

أولوية

(بناء الوطن معركة)؛ هذه هي الجملة الأولى في الصفحة الأولى من كتاب البناء والإعمار، فالوطن هو الأولوية القُصوى التي يجب أن لا تتقدمها أولوية، وبناؤه هو الهمّ الأكبر الذي لا يتقدم عليه همّ ولا شاغل، فكيف إذا كان الوطن خارجاً من حقبة عصيبة تمثلت في جثوم الاستعمار على صدره مدة ليست بالقصيرة من الزمن، وكان مجموعة من الإمارات المتفرقة التي يحتاج كلّ منها إلى شقيقه، فههنا تتضاعف الحاجة إلى التركيز على الدخول في قلب هذه المعركة وبكل القوى والطاقات، ومن تبصّر في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ الدولة، لاح له حجم الصعوبات والتحديات التي واجهت الآباء المؤسسين الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل توحيد البلاد، ووضعها في خطّ مستقيم لا يعرف التعرّجات لضمان صحة السير وعدم تبديد الطاقات في غير معركة البناء والإعمار لهذا الوطن الطيب المِعطاء، ولقد كان للإمارات القدح المُعلّى في هذا المجال، وأبدعت في تقديم النموذج الأرقى في بناء الوطن وصيانة مكتسباته وتعظيم منجزاته.

(بناءُ الإنسان ملحمة) والملحمة في عرف اللغة أكبر من المعركة، ولا يُطلق هذا اللفظ إلا على المعارك المتواصلة الكبرى التي يعلو فيها هدير الأصوات، وبناء الإنسان في نظر صاحب السموّ هو أكبر المعارك، وليس البناء المقصود هو مجرد البناء المادي للإنسان بل المقصود هو البناء الروحي والثقافي والأخلاقي للإنسان بحيث تنطلق طاقاته في معركة بناء الوطن، فهو مقدّم من حيث الترتيب العقلي على معركة بناء الوطن لكنّهما متداخلان بحيث يصعب الفصل بينهما، فمعركة بناء الوطن تعني في جوهرها معركة بناء الإنسان، لأن الأوطان لا تنهض إلا على جهد الإنسان، ولقد بذلت الإمارات العربية المتحدة جهوداً جبارة في هذه الملحمة، وأبدعت في إعادة صياغة الإنسان بما يتناسب مع إيقاع العصر ومتطلبات البناء والإعمار، فكان خيار التعليم وبناء الملكات العقلية للإنسان هو خيارها الأكبر حيث تجاوزت كثيراً من الدول في هذا المجال، وقدّمت نمطاً متفرداً في بناء الوعي وتفجير الطاقات، وشحذ الهمم حتى وصلت إلى مرحلة متقدمة جدّاً من الرقيّ العلمي والإداري الذي جعلها في مصافّ الدول المتقدمة ذات التاريخ الحضاري العريق وذلك بفضل التركيز على إنجاز هذا المطلب الجوهري الذي يتأسس عليه جميع ما وراءه من المطالب والغايات.

أمانة

(بناءُ حياةٍ لأجيال جديدةٍ هو أكبر وأعظم وأنبل هدفٍ لحياتنا) لأنّ الأجيال القادمة هي الأمانة الكبرى في عنق القادة أصحاب القرار، وهم عُدّة المستقبل، ويجب توفير أرقى أشكال الاهتمام بمستقبلهم ليس على الصعيد المادي فحسب بل على جميع الصعد المادية والمعنوية، ومن يتابع حضور فكرة الأجيال في فكر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد يجده شديد الاهتمام بحقوقهم، عظيم العناية بمستقبلهم، يقترب منهم بقلبه وفكره، ويأخذ بأيديهم، ويبصّرهم طبيعة الحياة وما يعترضها من عقبات، ولا يرضى لهم ثقافة الكسل والرخاوة والترهّل بل يريدهم قادةً شُجعان القلوب، أصحاب إرادة وعزيمة، فهذا هو الكنز الأكبر الذي سيظلّ ذُخراً للأجيال، فكيف إذا اجتمع لهم كل ما يتمناه الشباب من ضروب العناية والاهتمام من جانب الدولة والقيادة بحيث أصبح شباب الإمارات من المغبوطين على ما يلقونه من رعاية واهتمام من قادة الدولة ورجالها الكبار.

(وما سوى ذلك تفاهات تشغلنا عن معركتنا الحقيقية) والتعبير بالاسم الموصول «ما» يفيد الاستغراق والتنكير، فكل ما هو خارج دائرة الوطن والإنسان فلا يدخل في صلب اهتمام صاحب السموّ، بل ينظر إليه بعين الإعراض لأنه منشغلٌ بالأهمّ عن المهمّ، فكيف إذا كان ذلك الشيء تافهاً، فمن المؤكد أنه لن يكون له أدنى اعتبار في منظور صاحب السموّ في سياق معركة البناء والإعمار: بناء الوطن وبناء الإنسان.

سيدي صاحب السموّ: لا أجد شيئاً يليق بهذه التدوينة الثمينة أختم به هذه القراءة المتواضعة سوى كلمات نيّرات من كلام المؤسس الباني الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان رحمه الله تُلخّص في مضمونها جوهر رؤيتكم للحياة، وتُجسّد عزيمتكم التي لا تلين في مواجهة الظروف والتحديات:

يا ذا الشباب الباني

بادر وقمْ بجهود

ولا تقلّد الدلهاني

لي ما وراهم زود

شمّر الوقت إن زاني

واعمل شرى اليدود

طباعة Email