العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    بعض غرائب الاجتماع السياسي الأمريكي

    خلال العام 2020، قنص وباء «كوفيد 19» أرواح زهاء نصف مليون أمريكي. وبينما كان المجتمع الأمريكي بقضّه وقضيضه، منشغلاً بمواجهة هذا الوضع الكارثي، أعلنت الجهات المعنية أن هذه الفترة ذاتها شهدت مصرع أكثر من 43 ألف شخص بأسلحة نارية، بما في ذلك حالات انتحار.

    مؤدى هذه المعطيات المؤلمة وقوع الأمريكيين بين سببين ظاهرين للموت الأسود، لكن الفارق بينهما كبير.. فالوباء يظل حدثاً طارئاً لا تزال مصادره وعلله الأولى مجهولة أو محاطة بالغموض، ومع ذلك فإن هناك مساعي مجتمعية شاملة لا يتناطح حولها عنزان للتعامل معه ومحاربته، في طليعتها إبداع اللقاحات اللازمة لذلك. هذا في حين يباغت أبناء المجتمع باعتداءات تودي بحيوات بعضهم غيلة، بأسلحة يقتنيها أناس معلومون بالضرورة، دون الاهتداء إلى، أو الاتفاق على، روادع أو زواجر أو موانع لمقاومة هذا الشر المستطير.

    نفهم هذه الحقيقة حين نعلم أن 31 ولاية من بين الولايات الأمريكية الخمسين، تسمح بحمل السلاح في الأماكن العامة دون تصريح أو ترخيص. ومما يزيد الارتباك والحيرة أن قوانين بعض الولايات تحظر هذا السماح في مواقع محددة فيها دون أخرى. هذا يفترض أن حملة السلاح، وبخاصة الملتزمون منهم بالسلامة القانونية، والمواطنون العزل المهجوسون بالسلامة الأمنية، عليهم التنقل وهم على علم مسبق بالخريطة التفصيلية لأماكن السماح والحظر.. وهذا شرط نحسبه عسير المنال بالنسبة للجميع على حد سواء!.

    بالنظر إلى تكرارية حوادث إطلاق النار العشوائية، وتعرض عشرات آلاف المواطنين لخطر الموت أو الإصابة في أماكن لا يتوقع فيها غير استتباب الأمن وممارسة شؤون الحياة بوداعة واطمئنان، كالمدارس والجامعات والمتاجر والمستشفيات والشركات ومحطات القطارات والحافلات..، لا يصح الادعاء بأننا إزاء حوادث فردية منعزلة. الأقرب إلى الصدقية واللياقة المنطقية هو أن الأمر بات يشكل ظاهرة يتسع خرقها شيئاً فشيئاً على الراتقين.. ندفع بهذا الاعتقاد وفى الخاطر غياب أي نذر أو إشارات لاحتمال التوصل إلى إجراءات يتلاقى عليها القوم ويجمعون، حول كيفية التصدي لهذا البلاء.

    ليس بلا مغزى في هذا الإطار، أن نلاحظ الفارق الشاسع بين ردود أفعال الرئيسين السابق والحالي من الظاهرة. فالرئيس الجمهوري دونالد ترامب دافع عن حق الأمريكيين في حمل السلاح، باعتباره «حقاً دستورياً».. بل وذهب إلى أن هذا الحق يقلل من حوادث العنف الإرهابية وليس العكس. بينما يحث الرئيس الديمقراطي جو بايدن مجلسي النواب والشيوخ، على حظر اقتناء الأسلحة الهجومية بين المواطنين، وفى أضعف الإيمان توسيع سبل التحقق من المتقدمين لشراء هذه الأسلحة.

    بهذين الموقفين المتباعدين، يلخص الرئيسان ما يعتمل من خلاف لدى الرأيين الحزبي والعام في بلدهما بشأن السماح بحمل السلاح من عدمه، ويقدمان تفسيراً للتناقض الذي يبدو واضحاً في معالجة هذه القضية. ومن آيات هذا التناقض خروج وسائل الإعلام الأمريكية على الناس بخبرين في يوم واحد (9/‏‏‏4/‏‏‏2021)، ينعى أحدهما مقتل مواطنين بنيران أحد المسلحين داخل شركة بولاية تكساس، ويؤكد توجه الرئيس بايدن ووزير العدل ميريك جارلاند إلى اتخاذ خطوات تتصدى للعنف السلح المتصاعد في السنوات الأخيرة، فيما يتحدث الآخر عن اعتزام ولاية تنسى السماح للسكان بحمل السلاح دون تصريح بدءاً من شهر يوليو الجاري!

    الخطابات الفقهية الحقوقية والأدبيات الاجتماعية والسياسية الأمريكية، مفعمة بأمثلة مشابهة لمثل هذا الالتباس والتعارض.. ومع كل نبأ جديد عن حادث عنف مسلح تشهده الرحاب الأمريكية الفسيحة، وهو طقس يومي تقريباً، يتجدد الجدل بهذا الخصوص. أكثر من ذلك أن هذا الجدل والتشاكس الموصول به صار مادة دسمة، تتغذى عليها بعض برامج «التوك شو» والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية ونحو ذلك من الفنون.

    نظن أن هذه الوضعية سوف تلازم المجتمع الأمريكي لفترة يصعب تحديد مداها الزمني. نظن أيضاً أن كلمة السر والحسم في هذا التحديد تتعلق بالوصول إلى قناعة عامة، متفق عليها فيدرالياً ولا مركزياً، بجدوى اتخاذ إجراءات صارمة تجعل حمل السلاح الشخصي مسألة تراوح بين الصعوبة والاستحالة، وذلك استناداً إلى أن تحقيق الأمن العام والخاص منوط بسلطة الدولة وحدها.. تماماً كما تقول كل نظريات العقد الاجتماعي.

    طباعة Email