العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    هل شاهدت مسلسل «لوبين»؟

    إن لم تكن قد تعرضت لهذا السؤال حتى الآن، فستتعرض له إن عاجلاً أو آجلاً، فمسلسل «لوبين» الذي أنتجت منه «نتفليكس» حتى الآن جزأين تم عرضهما، والجمهور في انتظار الجزء الثالث منه، هذا المسلسل أصبح حديث جمهور المهتمين بمتابعة المسلسلات، بل تعداهم إلى جماهير أخرى لا تهتم كثيراً بمشاهدة المسلسلات التي لم يعد إنتاجها حكراً على القنوات التلفزيونية، بعد أن دخلت على الخط المنصات والقنوات الرقمية.

    قبل أن أسترسل في الحديث، أود أن أعترف بأنني من جيل أُغرِم في صغره بسلسلة كتب مغامرات «آرسين لوبين»، التي أتيح لي الحصول عليها في المكتبات حينها، فقد شُغِفت بقراءة مغامرات «اللص الظريف»، عندما كان عقلي يتفتّح على القراءة طفلاً صغيراً يتلمس طريقه في عالم القراءة الذي يمثّل الخيال فيه طيفاً جاذباً في تلك المرحلة من العمر، وتمثل البطولة فيه واحدة من مقوّمات الإعجاب والجذب في القصص التي يختارها. وكي لا يساء فهم البطولة التي أعنيها سآتي على ذكرها في مكان آخر من المقال، لهذا ما أن رأيت اسم «لوبين»، حتى وجدت نفسي مندفعاً إلى مشاهدة المسلسل، راجعاً سنوات إلى الوراء، مستذكراً تلك السنوات التي تمكنت خلالها شخصية «لوبين» من الاستحواذ على إعجابي وإعجاب الكثيرين غيري، ودفعتهم إلى قراءة كل الكتب التي وقعت في أيديهم من تلك السلسلة، التي تُرجِمت إلى لغات عدة، وتحولت بعض قصصها إلى أفلام سينمائية ومسلسلات كرتونية.

    الصدمة الأولى التي تعرضت لها عندما شاهدت مسلسل «لوبين» هي أن بطل المسلسل ليس هو أرسين لوبين الذي رافقتني مغامراته في طفولتي، وإنما هو فرنسي من أصل سنغالي، هاجر والداه من السنغال وعاشا في فرنسا، عمل والده لدى أحد رجال الأعمال المتنفّذين، حيث اتهم بسرقة عقد كان ملكاً لماري أنطويت من عائلة بيلغريني الثرية في باريس، وزُجّ به في السجن ظلماً حيث مات في محبسه.

    لذلك قرر «أسان ديوب» أن ينتقم لوالده، ومن خطته المستوحاة من إحدى نسخ أرسين لوبين التي أهداها له والده قبل موته، أصبح أستاذاً في التنكّر مثل بطله الخيالي. المسلسل الذي حطم حتى الآن أرقاماً قياسية من حيث نسب المشاهدة، وأصبح في قائمة أفضل 10 أعمال معروضة على «نتفليكس» حالياً، وتصدر قائمة الأعمال الأكثر مشاهدة في بلدان عدة، يجسد فيه «عمر سي» ذو الأصول السنغالية شخصية «أسان ديوب» المعجب بأرسين لوبين، ويستلهم في جو باريسي معاصر تصرفاته من بطله المفضل، بدافع من رفضه الظلم الذي طال والده.

    شخصية «أرسين لوبين» رسم معالمها الكاتب الفرنسي موريس لوبلان في أوائل القرن العشرين، لكن الغريب في الأمر أن «لوبلان» الذي اكتسب شهرته من سلسلة القصص التي كتبها عن هذه الشخصية لم يكن فخوراً بما كتب كما يقول مترجم «مغامرات أرسين لوبين» الدكتور أحمد خالد توفيق، فقد كان «لوبلان» يصبو إلى تقديم ما يعتبره أدباً حقيقياً، وقد شعر بأنه يقدم «لوبين» لأنه فشل في الأدب الصرف، كما كان يصبو إلى تقديم شخصية ناجحة أخرى لكنه لم يستطع، وهذه هي تقريباً عقدة «كونان دويل» مع «شارلوك هولمز» أيضاً، وإن كان البعض يستغرب من كونها عقدة، لأن شهرة شخصيتي «لوبين» و«هولمز» جاوزت الآفاق، حتى أصبحتا من الرموز التي لا يمكن تجاهلها.

    فكرة اللص الظريف، الذي يُطلَق عليه أحياناً اللص الشريف، تتطابق مع فكرة البطل الذي ظهر في الفولكلور الإنجليزي باسم «روبن هود». وقد تعددت الروايات حول حقيقة وجود الشخصيتين، أرسين لوبين وروبن هود، ومثلما تؤكد أغلب الروايات حقيقة وجود روبن هود، فإن فيلماً وثائقياً تم بثه عام 2000 أكد أن شخصية لوبين حقيقية، وأن هناك من التقى به فعلاً.

    أيّاً كان الأمر، فإن فكرة أن يكون هناك من ينتصر للمظلومين، وينتزع حقوقهم من الظالمين، وفي هذا توضيح للبطولة التي سبق الحديث عنها في بداية المقال، هذه الفكرة تسكن عقول الكثيرين الذين يعتقدون أن بإمكانهم إصلاح الكثير من الأمور لكن أيديهم مغلولة أو عاجزة، مما يعني أن داخل كل واحد منا لصاً يتمنى تحقيق العدالة لنفسه والآخرين، ليس بالمعنى السيئ لكلمة لص، ولكن بالمعنى الذي جعل ملايين الناس تحب أرسين لوبين وروبن هود وأمثالهما من أولئك الذين أطلق الناس عليهم مصطلح لصوص شرفاء.

    هل شاهدت مسلسل «لوبين»؟

    شاهد المسلسل لتعرف السبب.

     


     *كاتب وإعلامي إماراتي

    طباعة Email