العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    دستورٌ في محبة الوطن

    طويلةٌ وراسخةٌ هي قصة الحب بين الإمارات وبين صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، ولو قال القائل إنّ سيرة سموه ومسيرته الرائعة منذ أكثر من خمسين عاماً في البناء والإعمار والتحدي وترويض المستحيل هي سيرة الوطن ومسيرته لَما كان مبالغاً، وعلاقة محمد بن راشد بهذا الوطن ليست علاقة سياسية بل هي علاقة حب بامتياز، فللوطن كتب سموه أجمل القصائد، ولعيون الوطن حبّر أروع الأغنيات، ولمجد الوطن قاد طلائع الفرسان من رجال الإعمار والبناء والابتكار، ولرفعة شأن الوطن صاغ محمد بن راشد فكرة عميقة التغلغل في وجدان كل واحدٍ من أبناء هذا الوطن الطيب هي: أنّ قَدَرَنا أن نكون دائماً في المركز الأول، لأن الوطن هو الأول في القلب والوجدان.

    في كتابه الثمين الجميل «ومضات من حكمة» كتب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الومضة التالية: «الوطن هو القلب الذي يسكننا، والروح التي تسري فينا، والحبُّ الذي يجري في عروقنا، والغالي الذي نفديه بنفوسنا» لتكون هذه الومضة اللامعة مثل نجمة ساطعة في كبد السماء تميمة تُعلّق على صدر الوطن، فكلماتها الرشيقة الرقيقة، وصياغتها الجميلة الأنيقة هي أروع دليل على عُمق الإحساس بقيمة الوطن في قلب هذا الفارس الجسور المِعطاء، وهي لوضوحها وقوة المخزون العاطفي المكنون في حروفها تستعصي على التفسير بحيث لا يملك الإنسان سوى مشاركة قائلها بعمق الإحساس بقيمة الوطن، واستشعار المعاني الجليلة التي تنطوي عليها تلك الكلمات النابعة من القلب الصافي والوجدان النبيل.

    وفي هذا السياق من الاعتزاز بالإمارات وطننا الأجمل والأغلى، كتب سموه من خلال وسمه البديع «علمتني الحياة» على حسابه في إنستغرام ثلاث جمل في محبة الوطن هي أشبه بالمادة الدستورية لقوة دلالتها وشدة اختصارها حيث قال: «الإمارات أولاً، الإمارات آخراً، الإمارات دائما» واختار صورة قديمة باللباس العسكري لتكون خلفية للومضة لكي يشحن الذاكرة بتلك اللحظات التاريخية الصعبة حين تمّ إنشاء الاتحاد قبل أكثر من خمسين عاماً والتي ذكرها صاحب السموّ في القصة الثامنة والعشرين من سيرته الذاتية (قصتي: خمسون قصة في خمسين عاماً)، حيث تسلّم حقيبة وزير الدفاع حين كان عمره اثنين وعشرين عاماً كأصغر وزير دفاع بالعالم بحسب عبارة سموّه الممزوجة بالفخر، ولتبدأ مهامه الكبرى في بناء جيش الوطن، واستلام التركة الثقيلة التي خلّفها الاستعمار الذي جثم مئة وخمسين عاماً على بلادنا، حيث تعالت أصوات الجنود بالفرح، وفي تلك اللحظة الحاسمة اجتمع في قلب صاحب السموّ إحساسان متكاملان: إحساسٌ بالحرية الكاملة، وإحساسٌ بالمسؤولية الكاملة، ولقد خلّد صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد هذا الحلم العظيم بقصيدة تحمل عنوان «حلم اتحاد الإمارات» قال فيها:

    مبروك يا شعبي

    نِحنا توحّدنا

     

    لا ترهب الصعبي

    زايد يجمّعنا

     

    نمضي على الدربي

    اللي يوصّلنا

     

    يا دولتي سيري

    عَ المنهج الواحدْ

     

    ومن الفرح طيري

    إنْ وحّدك زايدْ

     

    من غير تقصيري

    نمضي مع القايد

    (الإمارات أولاً) لأنّ الإمارات تستحق الأولوية في كل شيء، فهي وطن الخير والعطاء والمحبة والسلام، وعلى ثراها الطيب الأصيل تمّ بناء أروع دولة يتقاسم فيها القادة والشعب خبزة الوطن ويشعرون بقيمة خيراته، فهم ينعمون بخيرات بلادهم، وقادتهم من لدن القائد الباني المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيّان، طيب الله ثراه، إلى يوم الناس هذا وهم يضعون قيمة الإنسان في الهرم الأعلى من الاهتمام، فكانت سياسة الدولة في جميع مرافق الحياة متجهة نحو ترسيخ محبة الوطن في الوجدان العام للشعب وعدم تقديم أية مصلحة أو مكاسب على هذا الوطن الغالي الذي بنيناه بعَرَق الجبين، ونسجنا من خيوط الصبر أروع قصص التلاحم بين أبنائه، فحُقّ له أن يكون هو الأول في منازل القلب، وأن يكون ذلك أفعالاً تُجسد قيمة الصدق وليس مجرد كلمات يتغنى بها المتغنّي حتى إذا دعا داعي الوطن للبذل والتضحية ظهرت حقائق الرجال، وانكشفت معادن الأصلاء.

    (الإمارات آخراً) لأنّ محبة الوطن تجري من الإنسان مَجْرى النفَس، فكما تخرج الروح مع آخر نفَس فكذلك تكون قيمة الوطن في نفس الإنسان، فالأشياء الغالية المتجذرة في أعماق القلب لا تخرج لأدنى سبب بل هي راسخة الجذور ضاربة العروق في تربة القلب، ومحبة الوطن هي إحساس فطري أصيل يستعصي على التفسير، والإنسان يحب وطنه حتى لو كان رمالاً حارقة، وصحراء قاحلة ولا يُقدّم عليه فراديس الدنيا، والقلوب الكبيرة لا تنتظر أن تأخذ شيئاً من الوطن بل هي دائمة الاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل مجد الوطن ولو أدى ذلك إلى بذل الروح، فليس كثيراً على الوطن أن يفتديه أبناؤه بالأرواح، وما قيمة الحياة إذا كان الوطن محتاجاً والجيوب ملأى تنظر إلى فقره ومَسْغبته، وأين هو الشعور بالكرامة حين يكون كبرياء الوطن مُهدداً بالخطوب والدواهي، فلا كرامة للإنسان إلا بكرامة وطنه وشموخه وعزّته، فهو مبتدأ الكلام ومنتهاه.

    (الإمارات دائماً) فبين الأول والآخر هناك مسافة ربما تضيع فيها البوصلة ويختفي الاتجاه الصحيح، فجاءت عبارة سموه لكي تُجسّر المسافة بين البداية والنهاية ولتقول لكل مواطن حرٍّ شريف عميق الانتماء لهذا الوطن: إنّ مهمتك في حماية الوطن ليست مرتهنة بالزمن بل هي مشروع عمرك الذي لا ينتهي إلا بانتهاء حياتك بل إن واجبك أن تترك أثراً يخلّد مسيرتك في بناء وطنك، بحيث يظل الوطن هو الهاجس الأكبر والأعمق والأصدق داخل الروح والعقل والوجدان، فبهذه الروح الوطنية العالية تُصان الأوطان، وبهذا الانتماء الحميم الأصيل تعيش البلاد حرة عزيزة، تحميها أسود الوطن، ويُغني لها شعراء الكلمة الصادقة، ويكبر الشعور بقيمة هذه الإمارات الحبيبة التي نفتديها بالنفوس وبما لا تكاد تطيب عنه النفوس، لتظل الإمارات شامخة بالعزّ والمجد رافلة بثوب الكبرياء والسعد، يُغني لها فارسها القيدوم الشجاع الشيخ محمد بن راشد، وتتجاوب الأصوات من خلفه بهذا الغناء الصافي النبيل الذي يجسّد أروع مشاعر الحب والانتماء لهذا الوطن العزيز:

    وطنٌ أقمتُ على حِماه أحبّه

                      حبَّ المَشوق الصبّ من أحبابه

    أهديتُه روحي وشعري والعُلا

                      ووقفت بالدنيا على أبوابه

    وطني إمارات العروبة والندى

                      نالتْ من التقدير لُبّ لُبابه

    وطنٌ أقام الفخر في أرجائه

                      والعدل والإحسان بين هضابه

    هذه هي الإمارات: قصة حب صادقة بين الأرض والإنسان، وحكاية مجدٍ عالية كتب حروفها القادة الفرسان، وعباءة فخر فاخرة تميس بين البلدان، فحُقّ لها أن تكون أولاً وآخراً ودائماً في أعمق نقطة من القلب والوجدان.

    طباعة Email