العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    صحيح.. القضايا العادلة لا تقبل القسمة

    انعقد أخيراً في تونس لقاء بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيس حركة «النهضة الإخوانية» الذي يشغل خطّة رئيس مجلس نواب الشّعب، وهو اللقاء الأول منذ ما يزيد على الستّة أشهر، ويبدو من خلال التسريبات والمعلومات الشّحيحة أنّ اللقاء كان مناسبة عرض فيها الرئيس رؤيته لحلحلة الأوضاع المتأزّمة في تونس، وقد جاءت مواقف الرئيس بحسب المعلومات ذاتها واضحة وجليّة، وهي لم تخرج عن احتمالين اثنين:

    فإمّا أن تتحمّل حركة «النهضة الإخوانية» مسؤولية الحكم بصفتها الحزب الفائز في الانتخابات، وتُشكّل بالتالي حكومة جديدة تختار نوعها وتركيبتها ورئيسها وتتحمّل مسؤوليتها بالكامل أمام التونسيين، وهو ما يعني ويفترض البدء بإجراءات سحب الثقة برلمانيّاً من الحكومة الحاليّة، أو أن يتحمّل رئيس الجمهورية المسؤولية في اختيار الشخصية التي يراها الأكفأ والمناسبة لتشكيل الحكومة، وبالتالي فهو من سيتحمّل مسؤولية فشل أو نجاح هذه الحكومة أمام التونسيين وهو سيناريو يفترض تقديم رئيس الحكومة الحالي هشام المشّيشي استقالته، بما يُرجع حقّ التعيين إلى رئيس الجمهورية بحسب مقتضيات الدستور الحالي.

    ونعتقد مع أغلب الملاحظين أنّ «النهضة الإخوانية» لن تُغامر مطلقاً بإعادة المبادرة مجدّداً إلى رئيس الجمهورية، وهي في الغالب ستبحث إمكانية تحمّلها مسؤولية الحُكْمِ في ظرف اقتصادي واجتماعي وسياسي وإقليمي مأزوم.

    من الواضح إذن أنّ رئيس الجمهورية لا يزال مصرّاً على رفض استمرارِ وضعٍ هجينٍ تتخفّى فيه حركة «النهضة الإخوانية» وراء لفيف من الأحزاب والشخصيات المغامرة، التي تنتهي صلاحيتها وحتى وجودها بمجرّد انتهاء المصلحة منها، وهو ما مكّن «النهضة الإخوانية» على مدى السنوات من التفصّي من مسؤولية الفشل، وكذلك سهّل لها سبل المحافظة على «عذريتها» الثورية والسياسية، وما جرى ويجري ليس ذكاءً مفرطاً من قِبلها ولكنّه بالتأكيد غباء لافتاً من أطراف وجدتها «النهضة الإخوانية» بالصدفة في طريقها أو هي من أوجدتها لغرض المصلحة، وهي أطراف ديدنها الانتهازية والغنائمية، ولا تهمّها مصلحة البلاد والعباد من قريب أو بعيد.

    وقد تكون تجربة الرئيس قيس سعيّد مع هشام المشّيشي الذي عيّنه ثمّ انقلب عليه، وكذلك تجربة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي الذي «خلق» رئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد من لا شيء قبل أن ينقلب عليه، قد يكون موقف الرئيس قيس سعيّد تحدّد بتأثير من هذين التجربتين، وهو أيضاً ما يفسّر تمسّكه برحيل رئيس الحكومة الحالي هشام المشّيشي، الذي هو من اختياره، ولكنّه سلك لاحقاً طريقاً معادياً له ولخياراته، وهو أمْرٌ لم يقبل به سعيّد مطلقاً.

    حركة «النهضة الإخوانية» و«شيخها» راشد الغنّوشي إذن، في وضع لا يحسدان عليه، فإمّا تحمّل مسؤولية الحكم كحزب فائز في الانتخابات في ظرف اقتصادي واجتماعي وسياسي يقود حتماً إلى الفشل والمهلكة السياسية، أو إرجاع الأمر إلى رئيس الجمهورية الذي يبدو أنّه يحتفظ بورقات رابحة للخروج بتونس من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية والصحّية، وهو ما تخشاه حركة «النهضة الإخوانية».

    وعكس ما يتردّد في الساحة السياسية الآن، لا نعتقد والحالة هذه والمواقف على ما هي عليه، أنّ تونس تسير في اتّجاه توافق جديد يُنقذ حركة «النهضة الإخوانية» من أزمتها ويُعيد إنتاج فشل مكرّر ومحتوم، فهو سيناريو لا يمكن أن يقع فيه الرئيس قيس سعيّد.

    وقد نستنتج هذا الاعتقاد من كلامه بمناسبة لقائه رئيس أحد الأحزاب القريبة منه، إذْ أكّد على «عدم وجود وساطة» بينه وبين الحركة الإخوانية تماماً، كما أنّ «كلّ الحلول الوسطى مرفوضة» من جانبه.

    وإنّ إصرار الرئيس التونسي قيس سعيّد على مواقفه مردّه أيضاً، يقينه بأنّ له من الآليات الدستورية والشعبية، ما يكفل له تحقيق رؤيته، لأنّ النظام السياسي الحالي لا يستقيم في تقديره، بحكم أنّه يستند على دستور خِيطَ بالمحاصصة الحزبية وعلى مقاس بعض الأطراف رغم تباين رُؤاها، وهو ما يؤكّد في رأيه ضرورة المضيّ قُدُماً في حوار وطني بين كلّ الأطراف من أجل مراجعة بعض أحكام هذا الدستور، وكذلك تعديل القانون الانتخابي فضلاً عن تناول الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، والتوافق على حلول جدّية بخصوصها.

    حركة «النهضة الإخوانية» إذن، في وضع صعب، والرئيس الذي يخوض معركة مهمّة وعادلة، هو كذلك تحت ضغط داخلي وخارجي رهيب، ولكنّنا نعتقد أنّه وضع نفسه فيه وفي السياسة لا يكفي أن تكون صاحب قضية عادلة، بل يحب أن تجهّز الوسائل والإمكانيات لكسب الحرب من أجلها ومن هذه الوسائل حسن التدبير والكلام ومعرفة من هو العدوّ، ومن سيكون الصديق في نهاية المطاف، وإنّ أكبر درجات الغباء أن يخسر المرء معركة مقدّسة من أجل قضية عادلة وبين يديه كلّ الورقات المربحة.

    * كاتب تونسي

    طباعة Email