العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    ومضة الوقت

    لا توجد حضارة متقدمة ناهضة قوية التأثير في محيطها في القديم والحديث إلا وكان لها عناية فائقة بالوقت باعتبار أن الوقت هو الحياة، تستثمر فيه أفضل طاقاتها، وتنجز فيه جلائل أعمالها، وحين يهون الوقت على الإنسان: فرداً كان أمْ جماعة أم دولة أم حضارة تهون عليه الحياة ويرضى من وجوده بأبخس المكاسب، ويرضى بالتبعية والتكفف واستجداء الآخرين كي يواصل حياته الضعيفة الكسولة التي لا تستحق اسم الحياة إلا من باب المجاز؛ لأن الحياة في حقيقتها هي العطاء والإبداع والتجدد والتجاوز والإصرار على ترك الأثر الفاعل القوي على هذه الأرض في شتى مجالات الحياة.

    وتعزيزاً لقيمة الإحساس بالوقت وأثره العميق في تجديد نشاط الروح الإنسانية، يواصل صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، نشر نمطٍ متفرد من الومضات القيادية الثمينة التي تعزز الوعي الإيجابي بالحياة.

    وتستنهض الطاقة الفاعلة داخل الإنسان، والتي هي في جوهرها تلخيص لتجربته الثرية في هذه الحياة التي عاشها سموه في مسيرة طويلة من التحديات والإنجازات حتى غدت تجربته في السياسة والإدارة والحكم مدرسة متكاملة البنيان على المستويين المادي والمعنوي، فهو لا يكتفي بمجرد تقديم الخبرات في هذا الثوب الجميل من الومضات بل هو صاحب مبادرات ومؤسسات ومنجزات يعجز اللسان عن تفسيرها، ولا يرى فيها سوى نمطٍ من الإبداع المتجدد الذي هو ثمرة الإصرار وتعزيز مفهوم الإرادة الإنسانية التي لا تعرف المستحيل.

    في هذا السياق من الاهتمام بتعزيز مكاسب الإنسان الإيجابي، نشر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد ومضة قيادية بالصوت والصورة لضمان عمق التأثير تحدث فيها عن فلسفة الوقت في تفكير سموّه، وأبدع في تبسيط الفكرة لضمان فهمها على الوجه المأمول، فالفكرة تكون فاعلة بمقدار وضوحها، وتزداد الفكرة وضوحاً وتأثيراً حين تكون منتزعة من وقائع الحياة التي يحياها الإنسان، وليست مجرد فكرة مثالية أو فلسفية مُغلّفة بغموض المصطلحات وخفاء المفاهيم، بل نجد صاحب السموّ يعبر عن أفكاره بكل بساطة ووضوح، ويستلهم الطبيعة لتوصيل فكرته لكل من يستمع أو يشاهد.

    (الوقت أنا عندي مثل الحياة) فكأن صاحب السموّ يريد أن يقول: من أضاع وقته فقد أضاع الحياة، ومن هو العاقل الذي يرضى بإضاعة الحياة حين تكون مقابلاً للموت، فكلنا يَحيد من هذه اللحظة القاتلة التي تعني نهاية الإنسان على هذه الأرض، ولكن القلة القليلة هي التي تَضِنّ بوقتها الذي هو حياتها، فكما تتحاشى الموت بكل السبل والوسائل بحكم فطرتها، وغريزة حب الحياة المغروزة في طبيعتها، فكذلك هي ترفض إهدار الوقت بحكم عقلها وحكمتها، فكلاهما في نظر العاقل موت، لكنّ الموت الطبيعي ينال جسد الإنسان، والموت المعنوي ينال إرادته وطاقته.

    ويجعله إنساناً عاجزاً مشلول الإرادة، وهو ما عبّر عنه سيّدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سياق الحديث عن الذاكر والغافل من الناس حيث يقول: «مَثَلُ الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحيّ والميّت»، فهل بعد هذا الحديث الجليل مِنْ شكّ في أنّ الموت المعنوي هو أقسى المَوْتين، وهذا هو ما يرنو إليه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد حين يسوّي بين الوقت والحياة، فالحياة هي الوقت والوقت هو الحياة في معادلة أبدية لا تنفصم عُراها ما دامت البشرية تمشي على هذا الكوكب العظيم.

    (الوقت إنت ما تقدر تخزّنه، مثل النهر ما تقدر تدعس على نفس الماء مرتين لأنه ماضي)، في هذا القسم من الومضة تعليل وتفسير لما سبق من التسوية بين الوقت والحياة، حيث يضرب سموه مثلاً ملموساً قريب المنال من الحياة هو النهر في جريانه، فأنت حين تنظر إليه تظن أن الماء الذي أمامك الآن هو الماء نفسه بعد ثوانٍ معدودة لكن الحقيقة ليست كذلك، بل إن ما تشاهده بعد قليل هو ماءٌ جديد، فأنت غير قادر على تخزين مجرى النهر وكذلك الوقت والحياة مندفعان نحو مَجراهما لا ينتظران أحداً بل يعبران عن طبيعتهما كما هي، فهما جاريان متدفقان لا يستطيع الإنسان الإمساك بهما مهما بلغ حرصه على ذلك، والمغزى الذي يرنو إليه صاحب السموّ هو ضرورة استثمار اللحظة الحاضرة التي لن تعود أبداً.

    (الحياة ما تقدر تخزنها لأنها ماشية) فإذا استقرت صورة النهر في العقل الباطن للإنسان، واقتنع باستحالة الإمساك بنفس الماء بعد لحظات من جريانه، فكذلك الحياة لها نفس المنطق، فإذا استحال تخزين الزمن في مثال النهر فكذلك يستحيل تخزين الحياة بمعناها الشامل؛ لأن التخزين يدفع إلى الكسل والاتكال في بعض الأحيان، لكن الحياة بطبيعتها المواصلة لسيرها لا يمكن السيطرة عليها إلا من خلال سلوك إيجابيّ واحد فقط هو استثمار الوقت بالعمل المناسب.

    (يعني المُنظَّم يقدر يِنظّم وقته على كل شي، بس يشيل هذي الغيمة اللي على راسه، ويبدأ بالشعور الإيجابي)، وإذا كان كل ما مضى من هذه الومضة الثمينة بمثابة التشخيص الدقيق للمرض، فإن هذا القسم الأخير من الومضة بمثابة الدواء الناجع حيث جزم صاحب السموّ بأن الإنسان المُنظَّم هو الذي يستطيع تجاوز جميع ما سبق من مظاهر التعثر والشتات والكسل، وأنّ شعور الإنسان بقدرته على تنظيم وقته وأعماله وإنجازها في الوقت المطلوب .

    وعلى أكمل وجه يمنحه شعوراً عميقاً بالسعادة، ويدفعه إلى مزيد من الإنجازات، وهذه هي طبيعة الإنسان السويّ العاقل، وهي الأصل الذي يجب أن تكون عليه الشخصية الإنسانية، أما ما عدا ذلك من عوارض الكسل وإهدار الوقت فهو استثناء من الأصل، ويمكن علاجه بالتوجيه والتدريب وتحفيز الطاقات، ويفسر صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد هذه العوارض الطارئة بتشبيهٍ جميل هو الغيمة الجاثمة فوق رأس الإنسان والتي تمنحه شعوراً عميقاً بالارتخاء والخواء، وتَحول بينه وبين تحقيق ذاته المبدعة المعطاءة، فإذا استسلم لها كانت النتيجة وبالاً عليه.

    وإذا نهض نهضة الفرسان، واغتسل بماء النشاط والحيوية، واستقبل الحياة بشعور إيجابي عميق الامتنان لنعمة الحياة تفجّرت ينابيع السعادة مِن بين يديه ومِن خلفه، وحقق قيمته كإنسان يستحق اسم الإنسانية والخلافة في هذه الأرض التي لا تحتفي إلا بكل فارسٍ جَسور مقدام، يُعطي باليد السخية، ويأخذ نفسه بالعزيمة والجدّ والمغامرة، ويعيش حياته كما يليق بالفرسان وأبطال الإعمار والبناء.

    محظوظة بك هذه الديار يا سيدي، محظوظة بك وأنت تصنع فيها الوعي الصحيح بالحياة، وتتابع وأنت الرجل الكثير المسؤوليات بعين الوالد، خلجات القلوب وهمسات النفوس من أبنائك الذين يقتفون آثارك في صنع الحياة والاحتفاء بمجد الإنسان.

    طباعة Email