العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    تحت راية الاتحاد والتنمية

    لم يكن يتوقع ذلك الشاب الذي باغته وميض الكاميرات تجاه حكّام الإمارات المجتمعين تحت راية علم جديد، أنه سيكون مواطناً لدولة صار يشار إليها بالبنان في التخطيط في إقليم الخليج. وأنا أقرأ كتاب وزير التربية والتعليم الأسبق د. حنيف القاسم «تحت راية الاتحاد» الممهور بإهدائه الجميل لي، أخذني في رحلة إلى بداية تأسيس دولة الإمارات في شتاء عام 1971. وكيف اصطحبه والده إلى ذلك الحدث الجلل لتوحيد الإمارات، حيث رأى اللقطة بعينه.

    في تلك الحادثة اجتمع حكام الإمارات جميعاً عند المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عندما وضع بحنكته أساس هذه الدولة، التي تعد أكثر التجارب الوحدوية نجاحاً في الوطن العربي.

    أهمية كتابه الجميل أنني وجدت فيه دليلاً آخر على شخص عاصر ملامح حقبة لم يكن في منزله تلفزيون، ولا في بلده وزارة إعلام، ولا تعليم نظامي، ولا مطار عملاق، ولا شركة طيران (حتى عام 1985)، حيث كانت تتشارك مع ثلاثة بلدان أخرى في «طيران الخليج».

    فتدرج البلد حتى صار يسير بخطى حثيثة نحو أحدث أدوات التخطيط الإداري والتنمية. وذلك عندما يربط الأداء بمؤشّرات أداء واقعية ودقيقة. وبدأت البنية التحتية الهائلة في عصر الشيخ زايد، ووضعت لبنات التعليم، وعانت الدولة مثل ما حدث مع شقيقتها الكويت من صعوبة استقطاب العنصر النسائي إلى المدارس النظامية في الخمسينات وقبلها. فبدأوا في البحث عن حلول لإقناع الأهالي بأهمية تعليم النساء.

    ويروي الشيخ يوسف بن عيسى القناعي محاولات عديدة كتب لها الفشل في الكويت لإقناع النساء بالتعليم. وبعد سنوات هنا وهناك، تمكنت الدولتان من استقطاب نصف المجتمع إلى شتى التخصصات التي كانت مقصورة على التخصصات التقليدية، ثم تطورت إلى تخصصات نادرة.

    وهو يروي تجربة ذكرها كثيرون من أن أسبقية الكويت في التعليم والصحة وغيرها مكنتها من مد يد العون لشقيقاتها وتحديداً الإمارات، فبنت المستشفيات والمدارس في الستينات، وأسهم الأشقاء في بناء أول تلفزيون فيها، وهو امتداد لمسيرة الإعلام الكويتي، وصارت الآن الإمارات تصدر تقدمها في ميادين شتى.

    وكل ذلك لم يكن ليحدث لولا صراع التعليم النظامي، الذي كان تطبيقه في الماضي شبه مستحيل خصوصاً لدى الفتيات. وباتت المرأة حالياً تشكل نصف خريجات الجامعات والمعاهد سنوياً، ممثلة في أعداد هائلة تدخل سوق العمل وتبني لبناته.

    وقد وصف كيف نجح كأول مدير لجامعة زايد (للبنات) في أن يقود مسيرة إقناع الأهالي بضرورة تعليم بناتهن بخطط كثيرة أثمرت لاحقاً في خريجات مميّزات منهن الوزيرة حصة بوحميد. وهي جهود استمرت امتداداً لسلفه. كما أن محاولاته في تطوير المناهج وإعادة هيكلة التعليم كانت ملموسة، بعدما اكتشف أن هناك أعداداً كبيرة من البطالة المقنّعة، أثمر ذلك لاحقاً في تحسّن إداري ملحوظ.

    ومن جانب إداري، وجد د.القاسم نفسه أمام عقبة «آلية» موضوعية لاختيار الكفاءات. فوضع مؤشرات أداء لقياديين حاليين، وأعاد تقييم كثير منهم، ثم اكتشف أن هناك من هم بالصفوف الأخرى (الثانية والرابعة) من يجدر بهم القيادة، وهذا يجرّنا لمسألة في غاية الأهمية في اختيار القيادات، وهي ضرورة أن يتم انتقاؤه بعناية فائقة، وفق آلية بعيدة عن الأهواء لسبب بسيط، وهو أن القيادي إن لم يكن أهلاً لمنصبه، فإنه سوف يساوره الشك الدائم في قدراته، وربما يميل نحو إقصاء الأقوياء من حوله، لتخلو الساحة له ولمن هم على شاكلته، وهذا من أسوأ الحالات في العمل الإداري.

    كما أن عدم وضع الشخص المناسب في مكانه المناسب يدفعه للتخبّط في تعيين المديرين، فيبدأ المدير بممارسة التخبّط نفسه في اختيار مرؤوسين حتى يعتري الهرم الإداري الضعف والتردي، فيصبح بيئة طاردة.

    ولم يعد سراً القول إن الثقافة السائدة في المؤسسات تبدأ من الأعلى. فإذا كان كبار القياديين يمارسون شتى أنواع التخبّط والتجاوزات فسوف تتغلغل تلك الأمور في المستويات الإدارية الدنيا لتكون «ثقافة» غير مكتوبة لكنها ممارسة. وهذه الثقافة السيئة عندما تسود فإنها تقصي الأفضل والأنشط والأكثر تفاني في العمل. لأن هؤلاء لا يبقون على قيد الحياة في أجواء خانقة كهذه.

    وما أودّ قوله، إنني كشخص أمضى جلّ حياته في عالم البزنس والاستثمار تحديداً، وقرأت عن العديد عن مسيرة كبريات الشركات الناجحة، وسير الأعلام ممن قادوا نهضة بلدانهم وتقدم مؤسساتهم، فقد لاحظت أن ذلك كله كان يقف وراءه تخطيط وجد واجتهاد.

    وعندما قرأت خطة الإمارات الطموحة، ومؤشّرات الأداء، وكيف كان يقيم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزراءه عبر جهاز الأيباد عبر KPI، ويتابع تقدمهم في نحو 3600 مؤشر، ازددت يقيناً بأن الأمر ليس محض صدفة، وأن الأوطان والمؤسسات يجب أن تصارح الجميع بخطتها ووجهتها ليصبروا على وعورة الطريق ومشاقه، فإذا لم تحقق أهدافها فإنها على أقل تقدير قد اقتربت من خط النهاية. الخطورة تكمن في عدم التخطيط، لأنه يقودنا نحو المجهول، وهذا أسوأ ما يمكن أن يفعله الفرد والقائد.

     

     

    طباعة Email