العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    بهارات نجيب محفوظ

    قليلة هي الأعمال الأدبية التي كتبت لنفسها الخلود في دنيا الأدب، وأقل منها تلك التي تحولت شخصياتها إلى أيقونات في حياة الشعوب التي خرجت منها. من هذه الأعمال الخالدة ثلاثية الأديب المصري العالمي نجيب محفوظ، التي اعتبرها اتحاد الكتاب العرب أفضل رواية في تاريخ الأدب العربي، وتقع في ثلاثة أجزاء، هي: «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية»، قدم لنا نجيب محفوظ من خلالها صورة للمجتمع المصري ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، راصداً عبر أحداثها الظواهر الاجتماعية والأحداث السياسية التي مر بها المجتمع المصري، من خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد القاهرية المتوسطة، ابتداءً من جيل الأب والأم، مروراً بجيل الأبناء، وانتهاءً بجيل الأحفاد الذي ختم به الجزء الثالث منها.

    لقد جسّدت ثلاثية نجيب محفوظ شخصية «سي السيد» الوقور شديد التزمّت داخل بيته، المنطلق الذي يمارس كل مباهج الحياة خارج البيت، كما جسّدت شخصية الزوجة الخانعة التي لا تعصي أمراً لزوجها «الست أمينة». لقد أصبح مصطلحا «سي السيد» و«الست أمينة» معبّرين عن شخصية الزوج المسيطرة وشخصية الزوجة المطيعة، وهو ما لم تفعله رواية في تاريخ الأدب العربي حتى اليوم. ولهذا علّق عليها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قائلاً: «أتاح للقصة أن تبلغ من الإتقان والروعة، ومن العمق والدقة، ومن التأثير الذي يشبه السحر، ما لم يصل إليه كاتب مصري قبله».

    في الثلاثية لا يكتفي نجيب محفوظ بسرد تفاصيل الحياة اليومية لأسرة السيد أحمد عبد الجواد وما يحدث في محيط الحي الشعبي الذي تسكن فيه والأحياء المحيطة به، ولكنه يسرد أحداث حقبة مهمة من تاريخ مصر الحديث بين عام 1917 وعام 1944م، وينقل للقارئ أجواء الأحياء الأخرى التي تسكنها الطبقات الغنية من المصريين، ممثلة في أصدقاء أحفاد السيد أحمد عبد الجواد، ويربط كل هذا بأسلوب لا يجيده كاتب سواه. لهذا قال عنها ناشره سعيد جودة السحار قبل أن يحصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب: «لو رآها مقررو جائزة نوبل لمنحوك إياها». وقد تحقق ذلك بعد نشر الثلاثية بثلاثة عقود عندما تم منحه الجائزة عام 1988.

    من المعروف عن نجيب محفوظ أنه يستقي شخصيات رواياته من الشارع المصري. ولهذا لم تكن شخصية السيد أحمد عبد الجواد خيالاً محضاً، وإنما كان لها أصل في الحقيقة، فصاحب الشخصية الحقيقية يدعى عبد الجواد محمد سعيد. ولد عام 1905 بمنطقة درب الأتراك خلف الجامع الأزهر، وعاش في منطقة الحسين، وكان يعمل في تجارة العطارة. وقد بدأ العمل مع والده عندما كان عمره أقل من 12 عاماً، ثم ورث المهنة عنه.

    التشابه بين الشخصيتين هو أن السيد عبد الجواد الحقيقي كان يدير الأمور في بيته بالشدة والانضباط والحزم الذي كان يديرها به السيد أحمد عبد الجواد بطل الرواية، لكنه كان يسمح لأبنائه بقليل من الرفاهية، خلافاً للسيد أحمد عبد الجواد الذي كان متزمتاً إلى حد عدم السماح لابنتيه بالنظر إلى الشارع من مشربيات البيت. أما الاختلاف فهو في كون السيد عبد الجواد الحقيقي صالحاً ورعاً خارج بيته، إلى درجة أنه كان يقيم حلقات الذكر في محل العطارة الذي كان يملكه، بحضور كبار العلماء والشيوخ ومشاهير القراء، بينما كان السيد أحمد عبد الجواد ماجناً خارج بيته. توفي عبد الجواد محمد سعيد عام 1955م، قبل عام واحد فقط من صدور الجزء الأول من الثلاثية، وكانت تربطه صداقة بكبار الكتاب والفنانين، وعلى رأسهم نجيب محفوظ نفسه، وأنيس منصور، ويوسف السباعي، والمخرج حسن الإمام، وكانت جلساتهم المفضلة إما في قهوة الفيشاوي أو في محل العطارة.

    يذكر الحاج محمد، ابن السيد عبد الجواد الحقيقي، أن نجيب محفوظ ظل يتردد عليه بعد وفاة والده، وتخلّل إحدى زياراته لمحل عطارة «سي السيد» عتاب بينهما عن الصفات التي أضافها على شخصية والده في الثلاثية، فقد وصفه بـالمجون ومجالسة العوالم، وهو مصطلح يطلقه المصريون على من تمتهن الرقص والغناء معاً، وهي صفات لا تمت إلى «سي السيد» الأصلي بصلة، فما كان من محفوظ إلا أن أجابه ضاحكاً: «الأكلة ما تحلاش من غير بهارات». هذه البهارات التي كان يضعها نجيب محفوظ في رواياته هي سر جاذبية هذه الروايات التي نقلها من المحلية إلى العالمية، وجعل صاحبها يحصل على أرفع جائزة يحلم بها أكبر كاتب في دنيا الأدب.

    *كاتب وإعلامي إماراتي

    طباعة Email