الأجواء المفتوحة

لم يكن توقيع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على قرار المشرّعين الروس بالانسحاب من معاهدة الأجواء المفتوحة، قبل أسبوع من لقائه المرتقب مع نظيره الأمريكي جو بايدن، من قبيل الصدفة، بل إن هذه الخطوة من جانب بوتين مرتبطة باللقاء على نحو وثيق تكتيكاً وتوقيتاً، إذ إن السياسة، لا مصادفات في ترسيمها، ولا عشوائية في صناعتها، ولا رغبوية في تحديد مساراتها، هي في الأساس علم وفن، علم له أسس وحسابات، وفن إدارة للصراعات الطبقية والقومية.

الخطوة الأولى فعلها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب حين أعلن الانسحاب من المعاهدة قبل أقل من عام، وبايدن ألمح أكثر من مرّة إلى أنه سيتراجع عن قرار الإلغاء، في سياق شطب كثير من قرارات ترامب، لكن حسابات الطريق إلى السلطة تختلف عن حسابات الجلوس في بيت السلطة، بايدن لا يريد التراجع عن شيء «بلا ثمن».

في البيت الأبيض الآن إدارة على رأسها شخص لم يأت من مكان بعيد عن الدبلوماسية، إذ شغل منصب نائب الرئيس، وصال وجال وزار عواصم العالم، والتقى زعماء دول عظمى ودول أصغر، وناقش معظم الملفات والقضايا، التي تشغل بال الجميع، لكن في ظل الصراع ومعارك النفوذ وتسجيل النقاط، لا تكفي المعرفة، ولا تكفي الرغبة، ولا بد من حسابات للمصالح آنياً واستراتيجياً.

بالتأكيد، إدارة بايدن ليست ارتجالية وانفعالية كإدارة ترامب، بل يمكن القول أكثر من ذلك، إن بايدن جزء من إدارة، في حين كان ترامب- بدرجة كبيرة جداً- هو الإدارة، وبعيداً عن عن لعبة شد الحبال، لن تبقى العلاقات بين القوى الكبرى قائمة على التوتّر والانفعال، لا سيما بعدما أصبحت إدارة بايدن أكثر تحرّراً من هموم الداخل، اجتماعياً ووبائياً، وبات لديها رغبة ومصلحة في الإصغاء والتفاهم حول القضايا الدولية، التي لا تملك واشنطن وحدها أوراق «الحل والربط» بها، وبالتأكيد في القضايا التي تنطوي على تهديد للأمن والسلم الدوليين.

هذا لا يعني أن أياً من الدول الفاعلة يمكن أن تغيّر جلدها أو قلبها، لكنّه يعني أن السياسة - مرة أخرى - فن إدارة الصراع.

طباعة Email
#