الإدارة.. مرتكز البناء الحضاري للدول والمجتمعات

خلال القمّة العالمية للحكومات، التي عُقدت بدبي بتاريخ 12 فبراير 2017، أوضح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الحقيقة الآتية: «العالم العربي لديه الإمكانات المطلوبة كافة، الإمكانات البشرية المؤهلة والمتعلمة والأموال، يمتلك الأراضي الخصبة والموارد والإرادة، ولا تنقصه إلا الإدارة، إدارة الحكومات والاقتصاد والموارد البشرية والبنية التحتية، فالإدارة هي أهم العناصر حتى إدارة الرياضة».

بناء على ما تفضل به صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، يأتي هذا المقال الذي يناقش الدور الجوهري للإدارة، والأثر المحوري لها في إقامة الحضارات، وبناء الدول والمجتمعات، بما تتضمنه من مؤسسات في كلا القطاعين الحكومي والخاص، على اعتبار أن الشكل الحديث للدول الرصينة يقوم على وجود مجموعة متنوّعة من المؤسسات، التي تمارس نشاطات مختلفة، تُسهم بشكل مباشر في إنجاز البنيان الحضاري للمجتمع بتفصيلاته وتفرعاته المختلفة.

من المهم في هذا المقام تحديد القطاعات، التي ينبغي إدارتها بمستوى عالٍ من الدقة والإتقان؛ وصولاً إلى تحقيق الأهداف المرجوّة منها، وذلك على النحو الآتي: قطاع الخدمات، قطاع التربية والتعليم، القطاع الصحي، قطاع الأمن والدفاع، قطاع البنوك والعمل المصرفي والمالي، القطاع الصناعي، القطاع التجاري، القطاع الزراعي، قطاع الطاقة والتكنولوجيات المتقدمة، القطاع الرياضي، قطاع الاتصالات، قطاع الطرق والمواصلات والبنية التحتية، قطاع البناء والإعمار، قطاع السفر والسياحة والطيران، قطاع التأمين، قطاع الإعلام التقليدي والحديث، قطاع الثقافة والفنون والترفيه، قطاع العمل المنزلي.

هذه القطاعات تستوجب من حكومات الدول الاجتهاد في حوكمتها، وضبط إيقاعها، وتنظيم العلاقات في ما بينها، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال سياسات واستراتيجيات وقوانين ونُظم عمل حكومية، تضع الأمور في نصابها الصحيح، بحيث تتمكن جميع المؤسسات (الحكومية والخاصة)، التي تنضوي تحت مظلّة هذه القطاعات من ممارسة أعمالها ونشاطاتها بكفاءة وفاعلية.

تأسيساً على القيمة العظيمة، التي تتميز بها عملية إدارة المؤسسات المختلفة، لا بُدَّ من اهتمام الدول الحديثة بتخصص الإدارة على المستويين الأكاديمي والمهني، مع التركيز على دعم البحوث والدراسات العلمية، التي تُسهم في تطوير وتحسين واقع العمل الإداري في القطاعات الاقتصادية المختلفة، على اعتبار أن أي دولة من دون إدارة، لن تتمكن من تحقيق أسباب النهوض، وبالتالي ستبقى تدور في فلك المشكلات والأزمات غير المنتهية.

تأكيداً على ما سبق، نجد من المهم أن نستشهد بما يقوله صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، في الفصل الرابع من كتاب: (رؤيتي: التحديات في سباق التميز)، إذ يقول سموه: «الإدارة ليست كلاماً مرسلاً، بل علم قائم بذاته. ربما تطلبت معالجات مختلفة لشؤون مختلفة، لكنها في الواقع عملية واحدة في السياسة والاقتصاد والخدمات والرياضة، وكل نشاط آخر، وغرضها النهائي انتقاء السياسات والقرارات المناسبة من بين البدائل المتاحة، وتحويلها إلى أهداف مرحلية، يمكن تقييم نتائجها بدقة قياساً على الأهداف المحددة سلفاً. كل الجهد الإداري يجب أن يكون مكرّساً لتحقيق تلك الأهداف، وخدمة المستهدفين بها، وما لم يحدث ذلك فإن الإدارة لن تدير نفسها، وستتحول إلى روتين وهدر، وتضييع الفرص والوقت والطاقات والموارد».

ختاماً نقول: تُعد الإدارة، وممارسات المؤسسات الإدارية المختلفة مفتاحاً ومُحركاً أساسياً لأي تطور، يمكن أن تشهده الدول والمجتمعات، لذلك فإن أي تطوير في الجوانب الفنية والتشغيلية لقطاعات العمل المختلفة، التي ورد ذكرها سابقاً، لن يتمكن من تحقيق مبتغياته وأهدافه الاستراتيجية، إن لم يكن مرتكزاً على بناء إداري مُحكم ورصين.

طباعة Email