تصفية الماضي الاستعماري

طغت على سطح الأحداث في العالم في الآونة الأخيرة مسألة الاعتذار عن أخطاء الماضي، بعد عقود من الإنكار، حيث اعترفت ألمانيا وللمرة الأولى في تاريخها بأنّها ارتكبت «إبادة جماعية» ضدّ شعبي الهيريرو، والناما في ناميبيا، وستدفع مساعدات تنموية للدولة الأفريقية تزيد قيمتها على مليار يورو، فيما فتح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صفحة جديدة، بعد نحو ربع قرن من الخلاف بين فرنسا ورواندا، بشأن قضية الإبادة الجماعية.

حيث طلب الصفح عن بلاده، لدورها في الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، ولا شك في أن الاعتراف بأخطاء الماضي يعد فضيلة مهمة للدول الأوروبية في الوقت الحالي، وبعيداً عن دوافعها غير المعلنة، إلا أن الاعتراف بالخطأ وطلب الصفح هما خطوتان مهمتان لتجاوز الماضي، وبناء المستقبل معاً.

ولا شك في أن أوروبا تسعى لحقبة جديدة من العلاقات مع أفريقيا، تقوم على المصالح المشتركة، وإنهاء الحساسيات حول الماضي الاستعماري أو التدخلات في الدول، حيث إنها حريصة على اجتياز اختبار الماضي، وإعلان مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية عن ممارساتها السابقة، وطي صفحة الخلافات، لكن ذلك لا يمنع مسؤوليتها بشكل مباشر عن حالة التخلف، التي تعانيها البلدان، التي كانت مستعمرة بعد السطو الممنهج على ثرواتها.

واستنزاف خيراتها، ما يجعل الاعتذار غير كاف، فهو فعل أخلاقي لا يغير الواقع المأساوي، الذي نتج عن الاستعمار، بل من الضروري اللجوء إلى التعويض عن الضرر على غرار ما قامت به إيطاليا مع ليبيا بالتعويض المادي أولاً، ثم رد الاعتبار، وفتح صفحة جديدة.

لا يمكن لأي دولة استعمارية أن تشطب الماضي فكل الجرائم ضد الإنسانية مستمرة، وغير قابلة للتقادم والنسيان والسقوط بمرور الزمن، لكن من الممكن جعل الاعتراف به من طرف الدول الوارثة لماضيه وسيلة لتعويض الدول، وتحقيق المصالحة بين الشعوب، وتجريم الاستعمار حتى لا تبتلى به البشرية مرة أخرى.

 

 

 
طباعة Email
#