العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    جورج فلويد والبيض الأمريكيون

    ما قالته سيدة من البيض الأمريكيين في الذكرى السنوية الأولى لمقتل الشاب الأسود جورج فلويد، يحكي في عبارة قصيرة المسكوت عنه في المسألة العرقية بالولايات المتحدة.

    وجورج فلويد صار أيقونة الحركة التي اندلعت العام الماضي، وعمّت مسيراتها الولايات المتحدة والعالم، مطالبة بالعدل والمساواة لسود أمريكا، ووضع نهاية للعنصرية التي تنخر في عصب المؤسسات الأمريكية، وعلى رأسها الأجهزة المسؤولة عن أمن المواطنين وسلامتهم.

    فقد شاهد العالم، بالصوت والصورة، اللحظات الأخيرة في حياة جورج فلويد، والتي ظهر فيها راقداً على الأسفلت بينما يضغط رجل الشرطة الأبيض على رقبته بإحدى ركبتيه، حتى فقد الشاب الأسود الوعي قبل أن يفارق الحياة.

    أما السيدة البيضاء، فقد هزّها شريط الفيديو فراحت تشارك في تلك المسيرات الغاضبة. وحينما سئلت عن أسباب مشاركتها، قالت إن الفيديو كان يعكس «شراسة صارخة وضراوة يستحيل عليك أن تطردها من ذهنك».

    وتشير تلك الكلمات لبطلة قصة فلويد الحقيقية، في تقديري، والتي كانت مسؤولة عن تفجير تلك الحركة العالمية. فهي الفتاة السوداء الشجاعة دارنيلا فريزر ذات السبعة عشر عاماً، والتي كانت تمرّ بالصدفة لحظة حدوث الواقعة، فوقفت بكل ثبات لتسجّلها بالصوت والصورة.

    وهي لم تجعل المشهد المروّع يدفعها للهروب، فكان الفيديو الذي سجلته مسؤولاً عن الصدمة التي أصابت الكثير من البيض، ودفعتهم للمشاركة هذه المرة في التظاهرات، رغم أن واقعة فلويد سبقتها العشرات، وربما المئات، من المآسي المماثلة في الماضي. والفتاة لم تخف أن المشهد ظل يروعها في نومها، وأنها بعد أن أدلت بشهادتها في محاكمة الشرطي الأبيض، اضطرت للهروب من بيتها خوفاً من الاعتداء عليها.

    لكن تلك الكلمات التي قالتها السيدة البيضاء، التي تبلغ من العمر تسعة وستين عاماً، لم تكن هي الأكثر دلالة. وإنما كان ما أضافته قائلة «إننا لم نتعلم في المدارس أي شيء عن تلك المسألة. وقد آن الأوان أن يتعلم الجميع شيئاً عما يحدث وما حدث في الماضي».

    وما قد يبدو مفاجئاً للبعض هو أن تلك السيدة، التي تبلغ التاسعة والستين، عاشت في طفولتها وصباها، بالضرورة، أحداث حركة الحقوق المدنية، وما تلاها مباشرة من إنهاء للفصل العنصري في المدارس والجامعات. ولا بد أنها عاشت في شبابها التحولات الهائلة التي شهدها المجتمع الأمريكي. لكن ما قالته دقيق تماماً. فلا الصدمة التي أحدثها الفيديو للبيض، ولا غياب الواقع عن الكتب المدرسية مفاجئ بحال.

    فعلى سبيل المثال، في سني طفولة تلك السيدة كان مارتن لوثر كينغ، زعيم حركة الحقوق المدنية، مكروهاً، تشوّه الصحافة والإعلام حياته ونضاله. وهو التشويه الذي ازداد وطأة بعدما عارض علناً حرب فيتنام. وبعد اغتياله أواخر الستينات، كانت الحركة المضادة لحركة الحقوق المدنية قد اشتد عودها، وبدأ التراجع المنظم عن المكتسبات التي حققها السود، وغيرهم من الأقليات.

    وقد تسارع ذلك التراجع عندما تولى رونالد ريغان الرئاسة، حيث كان مسؤولاً عن المزيد من التراجع، عبر تعيين مئات من القضاة اليمينيين الذين صاروا يصدرون، خصوصاً في المحكمة العليا، القرارات التي تقضي على تلك المكتسبات، وعلى رأسها حق التصويت.

    فقرار للمحكمة العليا مثلاً الذي صدر عام 2013 هو المسؤول اليوم عن قيام عشرات الولايات بإصدار تشريعات تضع قيوداً هائلة على ذلك الحق، تماماً كما كان الحال زمن الفصل العنصري.

    والحقيقة أن أياً من ذلك لا مكان له في الكتب المدرسية. فالتاريخ الأمريكي عموماً لا يحتل الأولوية في المدارس، وتاريخ الأقليات خصوصاً لا يعرض بأمانة. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، توجد حملة شرسة تعمل على حذف أي ما قد «يسيء لأمريكا» من الكتب الدراسية.

    والحركة تهدف بالطبع لحذف أي عرض أمين للتاريخ، وتسعى إلى تبييض وجه التاريخ وإعطائه تلك الصورة المثالية التي تخلو من أي تقييم موضوعي يجعل الأطفال قادرين على استيعاب التاريخ من أجل فهم الحاضر. وإذا أضفت لكل ذلك أن البيض والسود يعيشون حتى اليوم في أحياء، وبالتالي حياة منفصلة، فلا غرابة في أن يشكل فيديو مقتل فلويد صدمة للبيض الأمريكيين.

     

     

    طباعة Email