«تنظيمات ما قبل الدولة»

حملت لنا موجة ما سُمّي «الربيع العربي» رياحاً عاتية وغير مواتية لاستمرار الدول واستقرارها، فأغلب الطيف السياسي الذي ركب موجات الحراك المجتمعي في عدد من الدول، كان عديم أو ضعيف الإيمان بالدولة، فضلاً أن تكون هذه الدولة مدنية أو حداثية.

وفي تونس التي تتمتّع فيها الدولة بعراقة كثيراً ما كانت محلّ افتخار التونسي واعتزازه، أفاق فيها المواطن على عملية قصف كثيف استهدف أركان الدولة، الشّيء الذي أضعفها في تونس، وأدّى إلى اضمحلالها في دول أخرى.

ويبدو أنّ من خطّط لإحداث تغييرات في المنطقة كان واعياً تماماً بأنّ أسهل الطرق لتطويع الشعوب والمجتمعات، هي القضاء على مكوّنات الدول وأُسسها، مستغلاً في ذلك غضب الشعوب وفقرها وتوقها إلى حياة أفضل.

وإنّ توافق أهداف بعض النخب السياسية والحقوقية مع المخطّط الذي استهدف دول ومجتمعات المنطقة، سهّل هذا العمل التخريبي الذي طال عدداً من الدول، غير أنّ المستفيد الأبرز من كلّ هذا كان جماعات الإسلام السياسي «الإخوانية»، التي كانت اليد الرئيسية التي ضُربت بها وحدة الدول والشعوب.

والكلّ يستحضر المحاولات المحمومة لحركة «النهضة الإخوانية» في بداية حكمها، وسعيها إلى تركيز التنظيمات الموازية في الأمن وفي مجالات أخرى تحت مسمّيات عدّة، ورغم نفيها المتكرّر لذلك، إلّا أنّ مآلات الأمور رسّخت هذه الحقيقة لدى العامّة والخاصّة.

ويمرّ الآن أكثر من عقد على تحكّم حركة «النهضة الإخوانية» في السلطة ولا تزال ممارساتها، الهادفة إلى تقويض الدولة في تونس، مستمرّة، والأمثال على ذلك بيّنة ومعلومة.

إذ وبمناسبة زيارة رسمية قام بها رئيس الحكومة هشام المشيسي إلى قطر، أدلى المستشار السياسي لحركة النهضة هشام الشعيبي بتصريحات جاء فيها أنّ هذه الزيارة هي «تجسيد للزيارة الخاصة التي قام بها راشد الغنّوشي منذ أسابيع»، متوجّهاً بالشّكر إلى رئيس حزبه «على ما بذله ولا يزال من جهد شخصي بتعبئة علاقاته الدولية لإيجاد حلول للأزمة الصحّية والاقتصادية التي تمرّ بها البلاد»، مقدّماً تفاصيل عن نتائج الزيارة قبل أن تبدأ، وهو ما يمثّل إمعاناً في تهميش مؤسّسات الدولة ودرساً على صلاحياتها.

وإذا كان تدخلّ راشد الغنّوشي لدى دولة قطر كان بدافع شخصي، مما جاء على لسان المستشار السياسي لحركة «النهضة الإخوانية»، فإنّ تدخّله كان سافراً في مجال آخر من مجالات عمل الحكومة، فقد أشرف راشد الغنّوشي، بصفته رئيساً للبرلمان، على ملتقى رجال أعمال تونسيين وليبيين بجزيرة جربة التونسية، وذلك في تغييب تامّ الحكومة.

ويرى المراقبون أنّ إبداء هذا التهميش تجاه حكومة المشيشي، زيادة عن كونه يدخل في صميم استراتيجية الحركة «الإخوانية»، الهادفة إلى تقويض استقرار الدول والمجتمعات، يرى آخرون أنّه جاء كردّ فعل على تطوّر العلاقة مؤخّراً بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وهي العلاقة التي شابها بعض التوتّر خلال الأشهر الماضية.

والمهمّ في كلّ هذا، أنّ حركة النهضة تتعاطى مع مؤسّسات الدولة بصرف النظر عن القوانين والأعراف وتوزيع الصلاحيات بين مختلف هذه المؤسّسات، وهي غير عابئة بتداعيات ممارساتها على تماسك الدولة واستقرارها واستمرارها.

إنّ هذه الممارسات تعود بنا إلى قرون خلت، كانت فيها الدول تساس بطرق فردية، ويطغى فيها الرأي الواحد على رأي الجماعة، وهي ممارسات وإذْ هناك ما يبرّرها في الفكر «الإخواني» عموماً، فإنّها أضحت غير مقبولة اليوم.

وقد لا نستبعد أن تكون هذه الممارسات هي عملية تصدير لأزمة داخلية بين رئيس الحركة راشد الغنّوشي وشريحة واسعة من معارضيه داخل «النهضة»، وسواء تعلّق الأمر بممارساته داخل الحركة «الإخوانية»، أو بمساعيه لدكّ أركان الدولة من خلال محاولات بسط نفوذه على كامل مؤسّساتها، فإن الغنوشي يجسّد أتعس أشكال الاستبداد الجديد، وهو ما جعل من حزبه حزباً ماضوياً لا مستقبل له، لأنّه رضي بـ«زعيم» يعود إلى مرحلة ما قبل الدولة، وهو اقتباس من الباحث التونسي عادل اللطيفي، الذي تحدّث عن النهضة كتنظيم من تنظيمات ما قبل الدولة.

* كاتب تونسي

طباعة Email