مركزية الشرق الأوسط

في تحليل ما يحدث منذ أكثر من أسبوعين في الأراضي الفلسطينية، أعتقد أن إدارة جو بايدن الحالية، تحتاج إلى البدء في مراجعة الاستراتيجية، التي بدأت منذ عهد باراك أوباما، والتي بنيت على تراجع أهمية منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على منطقة جنوب شرق آسيا، وأن تكف عن ترتيبات سياسية تنسقها من خلال مفاوضات الملف النووي الإيراني للخروج من المنطقة، وترك ملفاتها مفتوحة من دون حل. قبل قرابة عقد من الزمن، أعلن باراك أوباما استراتيجيته القائمة على الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، وبدأ تطبيقها في عام 2009 بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق، فكانت النتيجة أن تمددت بعض القوى الإقليمية في المنطقة العربية، مستفيدة من الفراغ السياسي الذي تركته الاستراتيجية الأمريكية، كما أن ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي كان أحد تلك الإفرازات، وكنوع من معالجة تقدير موقف الإدارة الأمريكية، بدأت العودة مرة ثانية لمواجهة «داعش»، وإعادة ملف المفاوضات النووية مع إيران للحد من حالة الفوضى المنتشرة في المنطقة، ولكن للأسف نجد أن الإدارة الأمريكية الحالية تعيد الخطأ مرتين.

المرة الأولى: بإعادة تطبيق استراتيجيتها في الانسحاب من المنطقة، باعتبار أنها لم تعد بتلك الأهمية السابقة، وأنه يمكن ترتيب الأوضاع سياسياً مع بعض القوى الإقليمية قبل الخروج، كما يحدث الآن في مفاوضات فيينا. والمرة الثانية التي أخطأت فيها إدارة بايدن أنها تجاهلت ما تفعله بعض القوى الإقليمية من ممارسات تهدد استقرار المنطقة.

الشيء الذي يمكن أن يفهمه المراقب من إصرار الإدارات الأمريكية المتعاقبة على اتخاذ مواقف غير متوازنة فيما يخص المنطقة، أنه لم تعد منطقة الشرق الأوسط بتلك الأهمية في إقرار مصير السياسة الدولية، وأن الميزة الوحيدة لها كان في الطاقة، التي من الممكن الحصول عليها من أماكن أخرى من العالم، وبالتالي لم يعد الاستمرار الأمريكي له أهمية لصناعة مستقبل هذه المنطقة في الاستراتيجية العالمية، لكن التطورات الأخيرة في فلسطين وإسرائيل، وما سبقها قبل أربع أعوام، أحداث العراق (داعش)، لتسعف الذهنية السياسية الأمريكية بأن مفتاح استقرار العالم بأكمله يأتي من منطقة الشرق الأوسط، فاستقرارها يعني أمن واستقرار العالم، والعكس صحيح.

تراجع الولايات المتحدة عن أداء دورها التاريخي في منطقة الشرق الأوسط، أفقدها دورها السياسي في التأثير على ما يحدث في المنطقة، من حالة انفلات لبعض القوى الطامحة في المنطقة، وعندما تأتيها المؤشرات لتؤكد على أهمية مراجعة استراتيجيتها مرة ثانية قبل أن تفقد كل شيء، يكون خطأها أكبر إن لم تفعل، فالمكان لن يبقى شاغراً، أو يشهد فراغاً سياسياً، انتظاراً لقرار أمريكي بالعودة، فهناك قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، ستأتي لتعبئته، وقوى إقليمية لديها طموحات ومشروعات سياسية.

الشيء الذي ينبغي أن يذكر هنا، أن التصعيد بين الفلسطينيين والإسرائيليين «دق جرس إنذار» جديد للإدارة الأمريكية، لبيان مدى أهمية هذه المنطقة في الاستراتيجية العالمية، وذلك من خلال التفاعل الدولي مع ما يجري من قبل المؤسسات والشعوب، وهو درس مجاني لكل من يعتقد، من محللين وسياسيين، أن أهمية هذه المنطقة تراجعت في السياسة الدولية. وربما على رأسهم الرئيس الأمريكي جو بايدن نفسه، الذي عمل فيما يخص المنطقة على مدى قرابة خمسة عقود، ما بين رئيس لمجلس العلاقات الخارجية في الكونغرس، وبين نائب للرئيس الأسبق باراك أوباما، إلى الآن وهو على رأس الولايات المتحدة الأمريكية.

كما ينبغي أن يكون ضمن الفهم الخاص بشأن هذه المنطقة، أن معالجة أزماتها وقضاياها، لا بد أن تتم بمشاركة جميع أطرافها، وليس لطرف دون آخر، سواء في الملف النووي الإيراني، أو فيما يخص القضية الفلسطينية، وإلا فإن الأمر لن يتم معالجته والملفات ستبقى مفتوحة.

* كاتب إماراتي

طباعة Email
#