الهند.. انتخابات تشريعية في ظل كارثة وبائية

في الهند، حيث تسبب وباء «كورونا» لها في أكبر كارثة إنسانية في تاريخها المعاصر لجهة عدد الإصابات والوفيات اليومية، يلقي بعض الهنود اللوم على الحكومة، لتساهلها في تطبيق الإجراءات الاحترازية، خلال الأعياد الدينية الهندوسية، قائلين:

إنها ضحت بصحة وسلامة الشعب كي لا تُغضب أنصارها من الجماعات المنتمية لحزب «بهاراتيا جاناتا» الحاكم، فيما يلقي بعضهم الآخر اللوم عليها، لأنها تحمست لإجراء الانتخابات التشريعية المحلية في موعدها، وحضت أنصارها على المشاركة الكثيفة، وركزت على صناديق الاقتراع، بدلاً من التركيز على مكافحة الوباء، خصوصاً أن كل التقارير كانت تشير إلى أن إجراء الانتخابات في هذه الفترة ستكون له تبعات خطيرة.

والمعروف أن الهند ظلت، في الأشهر الأولى من انتشار الوباء عالمياً، محصنة ضده، إلى درجة أثارت الاستغراب، لكن الوباء سرعان ما غزاها تدريجياً إلى أن وصلت الأحوال إلى الوضع الحزين الراهن، الذي سقطت فيه المنظومة الصحية الهندية بالكامل وسط إصابات يومية، تجاوزت الأربعمائة ألف ووفيات بالآلاف، ونقص خطير في الأكسجين والمعدات والأدوية والأسرّة.

أما الانتخابات التشريعية، وما رافقها من حملات وتزاحم، فقد أسهمت، بلا شك، في زيادة الإصابات، خصوصاً أنها جرت في ولايات معروفة بالاكتظاظ السكاني.

ما يهمنا هنا هو تسليط الضوء على نتائج هذه الانتخابات، وعما إذا كان الحزب الحاكم قد عوقب من قبل الناخب الهندي على استخفافه بالمحاذير الصحية، وعدم لجوئه إلى تأجيل الاستحقاق الانتخابي إلى ما بعد السيطرة على الوباء.

جرت الانتخابات في شهر أبريل المنصرم لاختيار نواب المجالس التشريعية المحلية لولايات البنغال الغربية، وتاميل نادو، وكيرالا، وآسام، علاوة على إقليم بودوتشيري الاتحادي. وفي الأول من مايو الجاري أعلنت النتائج، التي جاءت إلى حد ما مخيبة لآمال الحزب الحاكم.

فالأخير، الذي راهن على تحقيق انتصار في ولاية البنغال الغربية المهمة مشابه لما حققه تحالفه في ولاية بيهار في آخر انتخابات تشريعية في أكتوبر ونوفمبر 2020، أصيب بخيبة أمل، لأنه فشل في انتزاعها من يد حزب «مؤتمر ترينامول»، بزعامة رئيسة الحكومة المحلية «ماماتا بانيرجي»، المعروفة بانتقاداتها الشرسة له ولسياساته الداخلية.

وبالتالي لم يحقق حلمه في حكم الولاية لأول مرة (تعد الولاية من الولايات الهندية القليلة التي لم يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا)، على الرغم من كل محاولاته زعيمه للتقرب من الناخب (بما في ذلك إطالة لحيته كي يبدو قريب الشبه من الشاعر طاغور، أيقونة الولاية الأشهر، والقيام بحملات دعائية لإنجازاته، وتوجيه أنصاره لاستقطاب الناخبين، عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي).

غير أن النتائج النهائية تقول: إن رئيس الحكومة ناريندرا مودي تعرض لخسارة بطعم الفوز، لأن تحالف الأحزاب اليمينية الذي يقوده، تمكن من انتزاع نحو 80 مقعداً من مقاعد الولاية البالغ عددها 294، بعد أن كان يسيطر في المجلس التشريعي السابق على 3 مقاعد فقط.

وجاء ذلك على حساب مقاعد حزب المؤتمر الهندي، الذي تعرض لهزيمة ساحقة، ولعل ما قد يُحسب فوزاً لصالح مودي أيضاً، هو أن السيدة بانيرجي فشلت في الفوز بمقعد معقلها في دائرة «نانديغرام»، الأمر الذي يقلل من فرصة بقائها على رأس الحكومة المحلية لولاية البنغال، إلا إذا قبلت المحاكم طعناً تقدمت به ضد فوز مساعد سابق لها في تلك الدائرة.

وكانت ولاية آسام، هي الولاية الوحيدة، التي لم تتعرض فيها الحكومة للخسارة، وبقيت تحت سيطرتها من خلال تحالفها مع أحزاب محلية، أما في ولاية تاميل نادو، فقد خسرت لصالح الحزب المعارض الرئيسي الإقليمي (حزب درافيدا مونيترا كازاغام)، الذي احتفظ بالسلطة، بقيادة زعيمه الجديد إم. كي. ستالين.

وكذا كان الحال في ولاية كيرالا، التي خسرها تحالفها القومي لصالح تحالف يساري بقيادة الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي)، بل لم يفز فيها بأي مقعد على الإطلاق. وتكرر الأمر نفسه في انتخابات إقليم بودوتشيري الاتحادي.

نخالة الحديث هي، أنه في المحصلة النهائية، سقطت رهانات حكومة مودي، في مؤشر خطير، لما قد ينتظرها في الانتخابات الفيدرالية المقبلة، غير أن الخاسر الأكبر هو حزب المؤتمر. فالأخير يشكو من الانشقاق وضعف القيادة، وليس له في البرلمان الاتحادي سوى 44 من أصل 542 مقعداً، ولا يسيطر إلا على 5 ولايات في مقابل سيطرة خصمه اللدود على 16 ولاية.

 

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

 

طباعة Email