نحن والعصر

تواضع الناس العاديون، كما تواضع العلماء، على أن العصر مفهوم يشير إلى الزمن المعيش المتسم بسمات بارزة تدل عليه، وإيضاحاً أكثر لمفهوم العصر نقول: إن العصر دال على مرحلة من تاريخ البشر، فيما المعاصرة هي الوجود الآن.

فإذا قلت «العصر الوسيط» سرعان ما يذهب ذهنك إلى مرحلة التقدم العربي العلمي والفلسفي والأدبي إلخ، والى مرحلة التأخر الأوروبي بالقياس إلى التقدم العربي ـ الإسلامي.

فيما لو أنك تحدثت عن «عصر النهضة» فإنك تبرز التقدم الأوروبي والانقلاب الهائل في العلم والوعي العلمي وقيمة الإنسان. ببساطة تتحدث عن مركزية الإنسان في أوروبا.

أما إذا تحدثت عن عصرنا الراهن، فإنك تتحدث عن انتصار العولمة، والتقدم الهائل في وسائل الاتصالات، تتحدث عن «الثورة النيترو ـ إلكترونية»، وفكرة الحرية، والقوة العلمية.

ماذا يعني أن تكون معاصراً؟ الجواب البسيط والصحيح هو أن تنتمي للعصر الراهن. ماذا يعني أن تنتمي للعصر؟

شئنا أم أبينا، هناك أمم عالمية تطبع العصرـ أي عصرـ بطابعها. هذا كان حال العرب في «العصر الوسيط»، وهذا حال أوروبا وأمريكا في عصرنا الراهن، يضاف إلى هذه الدول الأوروبية والأمريكية الآن اليابان والصين وكندا وأستراليا، وما شابه ذلك.

ومن شيمة هذه الأمم العالمية أن تكون توسعية ذات نزوع إمبراطوري، إنها وهي على هذا النحو، تقوم بدورين: الأول مقصود، وهو النزوع نحو الهيمنة والسيطرة بكل الوسائل الممكنة، وبخاصة الاقتصادية والعسكرية، والثاني عفوي: ألا وهو التأثير المباشر، وغير المباشر على نمط حياة البشر وتفكيرهم، أقصد البشر العائشين في البلاد الهامشية، وهذا يحقق مبدأ ابن خلدون في أن الضعيف مولع بتقليد القوي، بكلمة معاصرة، المتأخر مولع بالسير على خطى المتقدم.

ودول الهيمنة التي تحدد سمات العصر، لا تستطيع أن تتحكم بردود فعل الدول الهامشية، كما أنه في الوقت الذي تنتج فيه دول الهيمنة السلعة والسلاح، تنتج في الوقت نفسه الأفكار العلوم الطبيعية والإنسانية والأدب والأيديولوجيا.

والمفارقة هي التالية: إذا أخذنا جزءاً من العرب اليوم بوصفهم هامشيين، فإن بعض نخبهم يسعى للقيام بدور مركزي عالمي في ظل وجود البعض الهامشي، والوجود الهامشي هو الوجود الكسلان غير الفاعل حتى في الحدود الضيقة، والذي

يعتد بوعي إمبراطوري قديم.

أن تكون معاصراً، يعني أن تتحرر من مبدأ ابن خلدون «الضعيف مولع بتقليد القوي»، والمتأخر مولع بتقليد المتقدم، فالتقليد لا ينجب معاصرة، بل تحرراً شكلياً للوعي من الهامشية، تماماً كما هي حال وظيفة الوعي الأصولي.

أن تكون معاصراً يعني أن تفكر بواسطة أرقى مفاهيم المعرفة، التي أنتجتها المجتمعات المركزية، أو الأمم العـالمية. أن تفكر بعالمك وفق أرقى درجات المعرفة الإنسانية بسيرورة الانتقال من الهامشية إلى الفاعلية.

ومن شأن التفكير وفق هذا المستوى المنشود من المعرفة أن يحملك على السلوك المتطابق مع التفكير، فلا يعود هناك تناقض بين النظر والعمل.

إن طائفياً متعصباً ومشروعَ قائلٍ بربطة عنق باريسية، لا يختلف عن أصولي يعيش في الماضي، إنهما شيء واحد وإن اختلف الشكل، فكلاهما لا ينتمي إلى العصر.

ولو سئلت: ما المفاهيم التي تراها معرفة ودرجة أرقى من درجات الوعي الإنساني، المفاهيم التي تجعل الإنسـان إذا ما حوّلتها إلى عدته المعرفة معاصراً؟ لأجـبت: إنها كثيرة، ولكن الحد الأدنى المطلوب هو: الدولة، الحق، الحرية، العدالة، القانون، الوعي العلمي، الإنسان، الشعب، التغير، التطور، التقدم، المواطنة، الفرد، الإنسان وما شابه ذلك، أما استمرار الوعي عبر مفاهيم الدكتاتوريين والأصوليين، فهذا يعني أن الوعي ما زال يعيش في الكهف المظلم والرطب بعيداً عن الشمس.

 

* كاتب فلسطيني

طباعة Email