إشكاليّة الخلط بين الوسائل والأهداف: التعليم بواسطة الترفيه مثالاً

الخلط بين الوسائل من جهة، والأهداف من جهةٍ أخرى، يُعدُّ مدخلاً من مداخل تضييع الأوقات وإهدار الجهود وتبذير الأموال، ومن ثم الحياد عن الأهداف المبتغى تحقيقها؛ نتيجة التركيز على الوسائل الكفيلة بإنجاز تلك الأهداف، والتعامل معها باعتبارها أهدافاً واجبة التحقيق، في حين أنها مجرد أدوات. أي أن السير في الطريق الذي يوصل إلى الهدف يصبح هدفاً بحد ذاته، هذا يعني أن الهدف الذي وجد الطريق من أجله سوف يضيع بسبب هذه الفوضى.

تعبّر الأهداف عن حالة مرغوبة، مطلوب الوصول إليها بمستوى معين من الجودة، خلال فترة زمنية محددة. عادةً يستلزم تحقيق أي هدف، القيام بأداء نشاط محدد، وهذا النشاط بطبيعة الحال يستنفد جهداً ومالاً ووقتاً. من الجدير بالقول، إن جميع أفراد المجتمع، وكذلك المؤسسات تضع لها أهدافاً - بشكلٍ أو بآخر - وتسعى نحو إنجازها، مع وجود فارق كبير بين الإنجاز العلمي والمخطط للأهداف، والإنجاز العشوائي لها. أما الوسائل فهي تعبر عن أعمال ونشاطات ومَهمّات يتم القيام بها من قبل أفراد أو مجموعات أو مؤسسات؛ لتحقيق وإنجاز الأهداف المرغوبة.

لتوضيح إشكاليّة الخلط بين الوسائل والأهداف، يمكننا ضرب مثال يتعلق بمصطلح التعليم بواسطة الترفيه (Edutainment)، وهو عبارة عن اشتقاق لغوي يمثل دمجاً بين كلمتين، هما تعليم (Education) وترفيه (Entertainment). ويعني قيام الفرد المعلم باستخدام وسائل وأدوات تؤسس مناخاً من الترفيه داخل قاعة الدرس، بحيث يصبح المعلم (Edutainer)؛ أي محفزاً للدارسين إلى تلقّي العلم والمعرفة بحماسٍ وشغف. وما ينطبق على المعلم في هذا المقام، يمكن القياس عليه بالنسبة لأساتذة الجامعات والمؤسسات الأكاديمية المختلفة، وكذلك خبراء ومستشاري التدريب وتطوير القدرات البشرية والمهارات الوظيفية والمهنيّة.  

جدير بالذكر أن مسألة الترفيه عن المتعلمين والمتدربين في قاعات الدرس والتدريب (النمطية أو الافتراضية)، تُعد من بين المسائل الإيجابية التي لا يوجد اعتراض عليها من حيث المبدأ، ولكن الترفيه في هذا المقام ليس هدفاً بحد ذاته يتم السعي للوصول إليه، بل هو قنطرة يتم العبور عليها لتحقيق إنجاز يتمثل بنقل المعرفة للدارسين أو تطوير المهارات للمتدربين. الإشكالية التي قد يقع فيها بعض المعلمين أو المدربين، تتمثل بقيامهم باستهداف الترفيه عن المتلقّين، وهنا يكمن الخطأ؛ على اعتبار أن الهدف هو ليس تحقيق الترفيه تحديداً، بل إن الهدف هو تعليم وتدريب الأفراد المتعلمين والمتدربين عن طريق الترفيه.

ما الذي يدفع معلماً أو مدرباً للتركيز على الترفيه، والتعامل معه كهدف؟ في تقديري هناك سببان مُحتملان؛ السبب المحتمل الأول يتمثل بتدني مستوى التمكّن من المادة العلمية الخاصة بموضوع الدرس أو التدريب. أما السبب المحتمل الثاني فهو مجاراة المعلم أو المدرب لرغبات بعض المتعلمين أو المتدربين الذين يستهدفون الترفيه أساساً من وراء انضمامهم للمؤسسات الأكاديمية أو التدريبية.   

خلاصة القول، تحوّل الوسائل إلى أهداف؛ يؤدي إلى فقدان البوصلة، وبعثرة الجهود، وبالمحصلة ضياع الهدف الذي كان ينبغي إنجازه في نهاية المطاف. لحل هذه الإشكالية ينبغي على المعلمين والمدربين التركيز على الأهداف التي يرومون الوصول إليها، وتجنب الاهتمام المفرط بالوسائل والأدوات؛ لأن هذا الاهتمام يجعل ذهن المعلم أو المدرب - من حيث يقصد أو لا يقصد - يهمل الأهداف والغايات النهائية، لمصلحة الوسائل التي لا يعوّض تطبيقها بأي حالٍ من الأحوال عن إنجاز الأهداف المرغوبة والغايات المقصودة.

 

طباعة Email