البحث عن الإنسان.. كلمة في ثقافة الإحسان

أعترف بسطوة مشاعر الحيرة التي سيطرت عليّ عند الشروع في كتابة هذه المقالة بسبب الإحساس الغامر بالفرح والسعادة حين شاهدتُ هذا الإنجاز الذي تعجز الكلمات عن وصفه والذي تجسّد في توفير مئتين وستة عشر مليون وجبة لملايين الجياع في ثلاثين دولة عربية ومسلمة وصديقة تتوزع جغرافيتهم على أربع قارات من البلاد الفقيرة التي كاد العالم ينسى البطون التي تتضوّر فيها جوعاً ولا سيّما في هذا الشهر الفضيل شهر الخير والإحسان ومع جثوم جائحة كورونا التي تجثم على صدر الإنسانية منذ أكثر من عامٍ، لتكون هذه المبادرة الكريمة من وطن الخير والعطاء والإنسانية (الإمارات) التي نعتزّ بالانتماء إليها خير تعبير عن أصالة هذا الشعب وتجذّر قيم الخير والعطاء في نفوسهم المنذورة لفعل الخير كثقافة أصيلة هي جزءٌ من تكوين الإنسان الأصيل الذي لا يتنكر لقيمه ولا لأخلاقه حتى لو تغيرت الظروف، فالكرم والطيب والعطاء هي منظومةٌ أخلاقية أصيلة من كينونة الإنسان العربي المسلم والبدوي الأصيل الذي ينحر ناقته إكراماً لأضيافه، ويؤثر الآخرين على نفسه حين يعضّهم الجوع، وتشتدّ بهم المَسْغَبة، فالحمد لله على سابغ نعمه، وأدام الله هذا الوطن سبّاقاً للخيرات، متحسساً أوجاع الآخرين، باذلاً كل ما يستطيع في سبيل رسم بسمة على وجه فقير وإزاحة قلق من عيون مسكين.

(البحث عن الإنسان) هو عنوان الفصل قبل الأخير من السيرة الذاتية (قصتي: 50 قصة في خمسين حكاية) لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، الذي تحدث فيه عن غول الجوع الذي يعطّل طاقة الإنسان ويمنعه من ممارسة حياته الطبيعية، ولنستمع جميعاً وبإصغاء مَهيب لصاحب السموّ وهو يقصّ علينا هذه الحادثة عميقة المغزى والتي تكاد تكون وجهاً آخر لما نحن فيه اليوم من مواجهة مشكلة الجوع، إذ يقول صاحب السمو: «في إحدى رحلات القنص في إحدى دول إفريقيا قبل عدة سنوات، مررنا بمدينة صغيرة كنتُ قد شيّدتُ فيها مدرسة لأهل المنطقة، زرتُ المدرسة بشكلٍ مفاجئ لأجد أنّ عدد الطلبة قليلٌ جداً مقارنة بحجم المدرسة الكبير، عدد لا يتجاوز العشرات في مدرسة يمكن أن تضمّ الآلاف. سألتُ عن السبب، أخبروني بأنّ السبب الرئيس لعدم انتظام الطلاب في المدرسة هو الجوع !!».

ويتابع صاحب السموّ حديثه: أذهلتني الإجابة، أخذتْ مني عدة ثوانٍ لأستوعبها، نحن نبني المدارس حتى نتخلص من الجوع، التعليم هو سلاحنا، ولكنّ هذا السلاح معطّلٌ تماماً بسبب الجوع. أخبروني أنّ الطلاب يذهبون للمزارع للبحث عن طعامهم يوماً بيوم، أو يبقون في البيوت إذا كان جوعهم شديداً وليست لديهم طاقة. كم في هذا العالم من محرومين! أمرتُ بتجهيز مطبخٍ ضخم ضمن المدرسة، ووفّرتُ لهم أفضل المعدات مع طاقم كامل لخدمتهم، وبعد عامٍ عدتُ لهم، لأجد المدرسة يرتادها الآلاف من الطلاب وفق مناوبات صباحية ومسائية.

ويختتم صاحب السموّ حديثه المُفعم بالتأثر بقوله: أحسست بالسعادة، نعم أحسست بالسعادة. العطاء راحة وسعادة وطمأنينة، نحن أحوج للعطاء من المحتاج، تُعطي فيعطيك ربك، تتواضع فيرفعك، ترحم الناس فيحبك ويسعدك... إلى آخر حديثه الشيّق بالغ التأثر والتأثير.

ربما كان هذا الاقتباس طويلاً بعض الشيء ولكنه في صميم ما نحن فيه اليوم من الحديث عن نشر ثقافة العطاء والإحسان في بلد الخير والإحسان، ففي مطلع هذا الشهر المبارك أطلق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد ومن خلال مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيريّة والإنسانيّة العاملة ضمن مبادرات محمد بن راشد العالميّة، أطلق حملة لتوفير مئة مليون وجبة للمحتاجين في هذا الشهر الفضيل على وجه الخصوص في جميع البلدان الفقيرة والمتضررة من جائحة كورونا، وكانت الاستجابة لهذه الدعوة المباركة فوق المأمول وتجاوزت كل التوقعات إذ تمّ توفير ضعفي المطلوب وزيادة وتم توفير 216 مليون وجبة تم توزيعها على ثلاثين دولة ضمن أربع قارات كما سبقت الإشارة إليه في مطلع هذه المقالة، وتعبيراً عن مشاعر الفخر والاعتزاز بأبناء هذا الشعب نشر صاحب السمو على حسابه في إنستغرام مقطعاً رائعاً اجتمعت فيه الفكرة والصورة لتُعبّرا معاً عن فخامة هذا الجهد الذي علّق عليه صاحب السموّ بعبارات تفيض محبة وفخراً وتعاطفاً مع الإنسان أينما كان، وغمرنا صاحب السموّ بهذا الحضور الرائع للإعلان عن انتهاء هذه الفعالية التي جسدت أروع صور التلاحم بين أبناء هذا الشعب الأصيل الميمون، وترسيخاً لهذا السلوك الإنساني الرفيع علق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد على هذا الإنجاز الكبير بقوله: تكاتفكم أثمر، وتعاونكم صنع الفرق، خيركم رسم بسمة على وجوه الملايين، مساهماتكم وصلت إلى أقاصي العالم، أظهرتُم روح الخير المتجذّر داخلكم، وكنتم جميعاً على قدر الثقة... لتكون هذه الكلمات خير تعبير عن الإحساس العميق بالسعادة حين يرى المسؤول مدى استجابة شعبه وبروح باسلة لفعل الخير وتبييض وجه الوطن في ظروف صعبة تتوارى فيها الإنسانية عن فعل الخير بسبب انشغالاتها الصعبة في أمورها الداخلية، لتظل الإمارات كما أرادها المؤسسون الكبار نبعاً فيّاضاً بالخير والعطاء وتقديم العون لكل محتاج مهما كان لونه أو دينه أو عِرْقه وثقافته.

ولم ينسَ صاحب السموّ الجهود العظيمة التي بذلها أبناء هذا الوطن فتوجّه لهم بالشكر العميق على ما بذلوا وقدّموا في سبيل إنجاح الحملة، فخاطبهم قائلاً: شكراً لـ385 ألف متبرع، شكراً لرجال الأعمال والشركات والمؤسسات والأفراد الذين ساهموا في توفير 100 مليون وجبة، المجموع 216 مليون وجبة وصلت لشعوب ثلاثين دولة ضمن أربع قارات... لتكون الخاتمة التأكيد على أصالة هذا الوطن الكبير (الإمارات العربية المتحدة) الذي سيظل بحسب عبارة صاحب السمو: ستبقى الإمارات عاصمة عالمية للخير والإحسان والتضامن الإنساني.

وتعبيراً عن الروح الأصيلة للعطاء المتجذرة في وجدان هذا الشعب، كتب صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد عبارة تفيض بالمحبة لأبناء هذا الشعب الذي قدّم ما يفوق الوصف، خاطبهم فيها قائلاً: الإخوة والأخوات: مع خواتيم الشهر الفضيل نختتم حملة الـ100 مليون وجبة التي أطلقناها بداية الشهر، 385 ألف شخص ساهموا معنا في الحملة، ضاعفنا الهدف ووصلنا لـ216 مليون وجبة، سيتمّ توزيعها في 30 دولة، هذه هي دولة الإمارات، هذا هو شعبها، وهذه روح رمضان في بلادي الجميلة.

ونحن نقول: الحمد لله الذي جعل إطعام الطعام باباً من أعظم أبواب القربات وفعل الخيرات، وحثّ عليه وأثنى على أهله الذين وصفهم بقوله سبحانه: {ويُطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نُطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً * إنّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً}، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين الذي حثّ على هذه الفضيلة الجليلة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام))، وحفظ الله هذه الديار الطيبة المعطاءة مكلوءة بعين الرعاية، محفوظة من طارقات البلايا، سباقة لفعل الخير، حريصة عل نشر مكارم الأخلاق ومناقب الأخيار، وقليلٌ قليل أن يقال لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد: شكراً لكم يا سيدي، فجزاؤكم الموفور عند الرب الغفور الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة من الخير يا معدن الأصالة ويا نبع العطاء والإحسان والخير.

طباعة Email