«أقْوَمُ المسالك» في القضاء على الإرهاب

ما من شكّ في أنّ إعادة إنتاج الإيديولوجيات والأفكار تمرّ حتماً عبر آليات الثقافة والإبداع والمعرفة والعمل، التي تمثّل مجالات نشاط القطاعات الواسعة من المجتمع، وخصوصاً فئة الشباب منه.

ولا يُعرف أنّ فكراً ما أو أيديولوجيا معينة ضمنت ديمومة وجودها واستمرارها إن هي كانت في قطيعة مع هذه القطاعات ومع الشباب المنصهر فيها.

وإنّه من النوافل التأكيد على أنّ انفتاح الأفكار والإيديولوجيات والسياسات على الثقافة والإبداع والعمل والمعرفة هو أساس الانخراط الحرّ والإرادي فيها.

وفي المقابل، فإنّ غياب العلاقة أو فكّ الارتباط معها سيعمّق الهوّة مع المجتمع ويزيد في عزلة حاملي هذه الأفكار أو الإيديولوجيات أو السياسات، بما يجعل منها أرضية خصبة وملائمة لتطوّر التسلّط أو السّعي إليه، وكذلك تنامي التطرّف الذي قد يصل إلى الإرهاب.

وأدّعي أنّ الفكر الإخواني وفكر «الإسلام السياسي» عموماً يكثّفان أبشع ما عرفته الإنسانية من تجارب في التسلّط والانغلاق والتطرّف والإرهاب، لأنّها ورثت أبشع ما فيها من «قيم» مناهضة للحياة وللحرّية.

وقد لا يحتاج الأمر إلى التدليل على ذلك من خلال الشواهد قديمها وحديثها، ولكنّ من المهمّ التأكيد على أنّ طبيعة هذه التنظيمات ترفض الانفتاح والحرّية، وهي طبيعة تشكّلت بدءاً بدافع حمائي لتترسّخ تدريجياً كسمة أساسية لهذه التنظيمات.

ولعلّ ما يفسّر هذا السلوك وهذه التركيبة هو الرفض المطلق و«المبدئي» لمفهوم المشاركة والتشاركية الذي يمثّل أساس الانفتاح على الآخر وعلى المجتمع، وهو في الوقت ذاته جوهر المعرفة والثقافة والإبداع.

وإنّ في تجارب هذه التنظيمات المتطرّفة، التي كانت في الغالب تنشط في السرّية وتحت الأرض وفي الظلام، ما يفسّر أيضاً هذا السلوك الانعزالي والمتطرّف والرافض لكلّ مشاركة وتشاركية ولأيّ أدوار جدّية للمثقّفين والمبدعين في إعادة إنتاج المنظومة الفكرية والإيديولوجية والسياسية، حتّى وإن كان ذلك يصبّ على المدى المتوسّط والبعيد في مصلحتها، لأنّ مثل هذه الإيديولوجيات والأفكار عاجزة عن رؤية هذا المدى المتوسّط والبعيد لطبيعتها الغارقة في الماضوية والانكماش على الذات، ولأنّها كذلك تتحرّك بادّعاء تملّكها للحقيقة المطلقة والتحدّث باسم الدين.

ولأنّ تنظيمات «الإسلام السياسي الإخوانية» وغيرها تشكو من عاهات جينية تمنعها من ربط الصّلة مع المثقّفين والمبدعين وفئات الشباب المتعلّم، عمدت عند وصولها إلى السلطة في دول «الربيع العربي» إلى إسناد أدوار ثانوية لهذه الفئات بما أبقاها خارج المنظومة، وجعل منها جسماً غريباً يأبى الانصهار في عالم «الإخوان» و«الإسلام السياسي»، ويرفض الاكتفاء بلعب أدوار شكلية، فتحوّلت بذلك محاولات الاستيعاب في مرحلة أولى إلى ممارسة شتّى أشكال التهميش ضدّ المبدعين والمثقّفين والشباب المتعلّم، وفي مرحلة ثانية، اتّخذت أبعاداً تسلّطية وإقصائية، وهي ممارسات لم تكن لتجدي نفعاً ضدّ قطاعات وفئات مجتمعية جوهر وجودها المعرفة والحرّية والإبداع، لذلك انتقلت هذه التنظيمات إلى المرحلة الثالثة، وهي القضاء على الأسباب.

تراءى لتنظيمات «الإسلام السياسي الإخوانية» وغيرها أنّه إذا زالت الأسباب انتفت النتيجة، ورأت أنّ تعميم ثقافة الجهل والخرافة، وتهميش التعليم والمعرفة، وتكثيف خطابات التكفير والحقد والفتنة، وإهانة المثقّفين والاستهانة بهم، هي عوامل من شأنها أن تساهم في تطوير الحاضنة الشعبية والشبابية للفكر المتطرّف والإرهابي، وتجعل من شباب توّاق إلى الحياة وإلى الحرّية، قنابل موقوتة من أجل القضاء على هذه الحياة والحرّية.

إنّ في القصف الممنهج الذي تتعرّض له المنظومة التعليمية، والذي يؤدّي بالتدريج إلى غياب المعرفة وطغيان الجهل والخرافة، وإنّ في تهميش وإهانة المثقّفين والمبدعين وإقصائهم، ما يمثّل كلّ عناصر الجريمة الإرهابية القصدية ضدّ المجتمعات والدول.

ومن المؤسف فعلاً أن يتحوّل الموديل التونسي الذي نشأ على تقديس الحياة والحرية والمعرفة والانفتاح على الآخر، إلى مصدّر للإرهاب والإرهابيين. وفي المقابل، يجوز الأمل في غدٍ أفضل، لأنّ بعض الدول والمجتمعات سلكت سبل ترسيخ عالم المعرفة والإبداع والحرّية، وهي أنجع الطّرق وأصوبها للقضاء على التطرّف والإرهاب.

طباعة Email