حمدان بن راشد نهر العطاء الذي لا ينضب

حتى لو لم تكن من أبناء الإمارات، فيكفيك أن تنظر فقط إلى وجه الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، لتعرف أنه من نمط فريد من الرجال النادرين الذين لا يتكررون، حيث ترتسم على وجهه الجميل السموح كل ملامح الطيبة والكرم والسيادة والفروسية والهيبة والتواضع، ولقد غادر هذه الدنيا وترك وراءه حزناً ساكناً في القلوب وذكرى طيبة عصيّة على النسيان، وحين تتأمل في سيرته العاطرة بكل خير تجزم أنّ هذا السيد المهيب كان محظوظاً بفعل الخيرات في حياته، وها هو ما زال نهر الخير شلّالاً بالعطاء بعد وفاته، فها هو عميد آل مكتوم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، يُعلن عن إنشاء «مستشفى حمدان بن راشد الخيري لرعاية مرضى السرطان» تخليداً لذكراه العاطرة، وإدامةً لما كان عليه من التفاني في فعل الخير ومساعدة المحتاجين، وتأكيداً على الأخوّة العميقة التي تجمع قلوب هؤلاء الفرسان من آل مكتوم، فمثل الشيخ حمدان لم يكن رجلاً عابراً على هذه الأرض، بل كان ملء السمع والبصر، منخرطاً بكل طاقته في فعل الخير ونشر العلم، ودعم المحتاجين، وتدشين المؤسسات الطامحة إلى تقديم أرقى صورة عن حضارتنا وثقافتنا وديننا، يحمل هموم الوطن والأمة، ولذلك بكته عيون كثيرة، وترحمت عليه ألسنة في شتى اللغات، فجاءت هذه الخطوة العظيمة تجسيداً لمكانته الراسخة في قلوب أبناء هذا الوطن الذين يحتفظون لهذا الشيخ الجليل بأطيب الذكريات وأروع المواقف والأخلاق.

وبحروف يمتزج فيها الألم والفخر والوفاء أعلن صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد عن هذا الحدث الذي سيكون له أعمق الأثر في التخفيف عن مرضى السرطان باعتباره مرض العصر الذي يُقضّ المضاجع، حيث خاطب سموه إخوانه وأخواته من أبناء الوطن قائلاً: «الإخوة والأخوات: نعلن اليوم عن إنشاء «مستشفى حمدان بن راشد لرعاية مرضى السرطان» بدبيّ، مستشفى خيري وإنساني مفتوح للجميع، يضمّ 250 سريراً وسيستقبل 30 ألف مراجع سنوياً، ويُقام على مساحة بناء 50 ألف متر مربع».

لتكون هذه البشرى الممزوجة بالألم خير ما يمكن تقديمه عن روح فقيد الوطن الكبير الشيخ حمدان بن راشد رحمه الله، الذي غادرنا بجسمه وظلت روحه ترفرف في سماء دبيّ التي أحبها وأحبته، واحتضنت رفاته بين طيات ترابها الحنون، فجاء هذا المستشفى الذي يحمل اسمه تخليداً لذكراه، وترسيخاً لمآثره التي تعرفها مدينة دبيّ وكل من عاش على ثراها الوفيّ النبيل.

وبمشاعر الأخوّة الصادقة ترحّم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد على روح طيب الذكرى الشيخ حمدان بن راشد، وبحروف تفيض رقة ووفاء قال سموه: «رحمك الله يا أبا راشد، وجعل دارك الفردوس الأعلى من الجنة.. حمدان بن راشد كان مميّزاً في خيره وعطائه وإنفاقه ورحمته وتواضعه، كان اهتمامه بالتعليم والصحة والأيتام مستمراً ولم يتوقف عبر عقود..».

لتكون هذه الحروف المُشعّة بالوفاء تلخيصاً لمسيرة عامرة بفعل الخير سلكها الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، عبر عمره الذي وهبه لوطنه ولفعل الخير في كل مكان، وليكون هذا المستشفى الذي حظي بدعم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، وتكفلت مؤسسة الجليلة بإنشائه هو خير ذكرى عابقة بالمحبة لتلك الروح التي فارقتنا وتركت في قلوبنا أجمل الذكريات.

ثم كانت هذه الخاتمة الشجية التي تضيء مساحة القلب المسكون بذكرى الفقيد الكبير، فقد كان الشيخ حمدان، رحمه الله، عضيداً لصاحب السموّ لا تجود الأيام بمثله، وركناً متيناً كان معه في مسيرة بناء الوطن، وبين الحياة والموت تترسخ الصورة في أعمق نقطة من حنايا القلب، وتخرج الكلمات لتعبر عن حجم هذا الحب وعمق هذه الذكرى حين يقول صاحب السموّ مسترجعاً طيف شيخ جليل وفارس من فرسان آل مكتوم: ما زال فقده يوجعنا.. وذكراه في كل ركن من دبي، وسيبقى اسمه باقياً وخالداً بإذن الله في سجلّ المحسنين.

وعلى مثل الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، فلتبكِ البواكي، فقد كان بدراً طالعاً في سماء الوطن، ورجلاً عزّ نظيره بين الرجال، محباً لفعل الخير، مثقفاً عميق الثقافة، ممدود اليد بالعطاء، فارساً من فرسان البلاد، عضيداً لا تعوّضه الأيام، فلأجل هذا وغيره من المناقب ستظل ذكراه راسخة الحضور في وجدان أبناء الوطن، وستظل سيرته الطيبة امتداداً لوالده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي نذره للبلاد، وعلّمه كل خلق زَكيّ، وغرس في قلبه محبة العباد، عليه من الله الرحمة، وتلقّاه بواسع المغفرة، وجعل منزلته في عليين.

طباعة Email