لو أعدنا ترتيب الأدوار

فقدتُ فأسي، فاشتبهتُ بجاري، وظننت أنه قد سرقه مني، فبدأت أراقبه باهتمام شديد. كانت مشيته مشية سارق، وكلامه كلام من سرق فأسي، وحركاته توحي بأنه سرق فأسي. أمضيت تلك الليلة حزينًا. لم أعرف كيف أنام وأنا أفكر بأي طريقة أواجه جاري السارق. في الصباح عثرتُ على الفأس. كان ابني الصغير قد جرف فوق الفأس كومة من القش وهو يلعب.

نظرت إلى جاري في اليوم التالي فلم أجد فيه شيئاً يشبه سارق فأسي؛ لا مشيته، ولا كلامه، ولا إشاراته. وجدته كالأبرياء تمامًا، فأدركت أنني أنا من كان اللص. لقد سرقتُ من جاري أمانته وبراءته وذمته، وسرقتُ من عمري ليلة كاملة أمضيتها مهموماً ساهرًا أفكر كيف أواجه جاري.

تُرَى كم إنسان سرقنا منه أمانته وذمته بسوء ظننا، وكم بيت هُدِّم بسبب سوء الظن، وكم أسرة تفرقت بالشكوك، وكم بريء ظُلِم زوراً وبهتاناً، وكم نفس كسرناها بسوء ظننا، وكم صديق أضعناه بتهمة باطلة، وكم قريب قطعناه بالشكوك والظنون؟

«تمهل، لا تخلط الأمور، ولا تتعجل في الشك أو الظن، فإن بعض الظن إثم». بهذه النصيحة ينهي صاحب الفأس حكايته فاتحاً باباً للنظر في كل ما نصادفه في الحياة، خاصة عندما يتعلق الأمر بإطلاق أحكام واتخاذ ما يترتب عليها من قرارات بعضها مصيري وحاسم.

في روايته الشهيرة «الجريمة والعقاب» يصور الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي الصراع الداخلي الذي نشأ في نفس طالب الحقوق روديون رومانوفيتش راسكولنكوف بعد أن أقدم على قتل وسرقة المرابية العجوز إيلينا إيفانوفنا. لم يكن أحد قد رآه وهو يقتلها، ولولا اعترافه للفتاة التي أحبها سونيا، لما كان سره قد انكشف لأحد، مهما دارت الشكوك حوله. استطاعت سونيا أن تقنع روديون بالاعتراف للشرطة لأن هذا هو الصواب، لكنه ظل مقتنعاً بأنه قتل حشرة لا فائدة منها، وخلّص المجتمع من شرورها. حكم على روديون لاسكرولنكوف بالسجن 8 سنوات في سيبيريا بعد اعترافه بقتل العجوز المرابية، وتبعته سونيا إلى هناك.

في الحكاية الأولى لم يكن هناك لص، لكن صاحب الفأس اتجه مباشرة إلى جاره فاتهمه بينه وبين نفسه بأنه السارق، وأسقط على كل تصرفاته صفة المجرم حتى اكتشف أن أحداً لم يسرق فأسه، فأعاد تكوين صورة جاره من جديد، وأرجعها إلى ما كانت عليه قبل أن يكتشف فقدانه للفأس. وفي رواية دوستويفسكي كان هناك قاتل لم يره أحد وهو يرتكب جريمته، لكن الصراع داخله كان قوياً إلى درجة كادت تفقده عقله، حتى اعترف أخيراً بجريمته.

كانت فكرة «الجريمة والعقاب» قد نضجت أثناء أداء دوستويفسكي للأعمال الشاقة في منفاه بسيبيريا، وتشكلت معالمها الرئيسية عندما كان يمر بحالة حزن شديد وانهيار داخلي ألزمه السرير أغلب الأوقات. وقد كتبها تحت ضغط ضائقة مالية شديدة كان يتعرض لها، بعد أن عاد من المنفى، إلى درجة أن الفندق الذي كان يقيم فيه حرمه من وجبات الطعام، ولم يكن يقدم له أي نوع من الخدمات. لهذا جاء تجسيد معاناة بطلها دقيقاً وقوياً، وإن كان لا يبرر إطلاقاً الجريمة التي ارتكبها.

الصراع بين الخير والشر كان وسيبقى ملهماً ليس للكتاب فقط، وإنما لكل المبدعين على اختلاف أشكال الإبداع التي يمارسونها. هذا الصراع ليس بالضرورة أن يكون خارج مكنون النفس البشرية، بل إنه كثيراً ما يكون داخل هذه النفس التي لا تستطيع أن تنفصل عن مشاعرها، مهما حاولت أن تبدو محايدة وعادلة في قراراتها. تماماً مثلما حدث لصاحب الفأس الذي وجد نفسه يوجه الاتهام لجاره البريء، مستبعداً كل الاحتمالات الأخرى.

هذه حالة كثيراً ما تتلبس البشر عندما يجدون أنفسهم أمام موقف من هذه المواقف التي تستدعي قراراً مثل هذا، فتطيش سهامهم لتصيب أناساً أبرياء، ثم يمضون في تخيلهم متقمصين دور القضاة المحايدين، حتى إذا ما انكشفت لهم الحقيقة أدركوا حجم الخطأ الذي ارتكبوه، وشعروا بتأنيب الضمير الذي لم يمارس دوره عندما كانوا يبحثون عن ضحية يلصقون بها التهمة.

ماذا لو أننا أعدنا ترتيب الأدوار، فجعلنا الضمير يتقدم أيَّ شيء آخر «قبل أن تقع الفأس في الرأس» كما يقول المثل؟

لا شك أن هذا سيجنبنا الكثير من القرارات والمواقف التي نوقع فيها أنفسنا بتسرّعنا.

طباعة Email
#