00
إكسبو 2020 دبي اليوم

«النهضة» للتونسيين: نحكمكم وندمّركم

ت + ت - الحجم الطبيعي

علّمنا التاريخ أنّ الاستبداد والتسلّط في السياسة والحكم طريقه واحد، فهو ينطلق دوماً من تشويه الخصوم والكفاءات التي لا تتوافق مع هوى ومزاج النظام الحاكم، وذلك للتقليل من شأنهم وشأن أفكارهم في مسعى لعزلهم مجتمعياً، وصولاً إلى حدّ التصفية الجسدية.

وقد تعدّدت خلال العشرية الماضية في تونس وفي غيرها من دول «الربيع العربي» عناوين هذه الممارسات الاستبدادية، وراوحت بين محاربة الفساد والمفسدين، والقضاء على جيوب الردّة، والخوف من عودة الماضي، ومعاداة الدين، والعمالة للأجنبي، وكلّها عناوين هي من باب «الحقّ الذي يراد به باطل».

ويعتقد المتابعون أنّ هذا المنحى الاستبدادي في الحكم بلغ مع حركة النهضة «الإخوانية» درجة غير مسبوقة، وذلك لأنّه كثّف من جهة تجارب السابقين والأوّلين في الممارسة الاستبدادية، وثانياً لأنّ جماعات الإسلام السياسي «الإخوانية»، ومنها «النهضة»، تمارس سياساتها تجاه الخصوم ومن يخالفها الرأي باسم الدّين وتحت شعار تملّك الحقيقة المطلقة.

ولعلّ التوصيف الذي أتته خبيرة الاتّصال السياسي مريم عزّوز في أحد نصوصها يؤدّي المعنى في أعمق دلالاته، إذ هي تحدّثت عن «اغتيال معنوي للخصوم عادة ما يكون مقدّمة للتصفية الفعلية والجسدية».

وإنّ آليات الاغتيال المعنوي للخصوم معلومة، فهي تبتدئ بمراكمة الحقد والكراهية والعنصرية والنزعات الثأرية باسم «الدين» أو باسم «الثورة»، لتنتهي إلى الإلغاء الجسدي، والشواهد على ذلك كثيرة خلال عشرية «الربيع العربي».

وقد بلغت هذه السياسات في تونس أشدّها خلال السنوات الأخيرة، والتي شهدت انتكاسة فعلية للحاضنة الشعبية لجماعات الإسلام السياسي «الإخوانية» وحلفائها ممّن ضلّوا سواء السبيل المدني.

وسواء تعلّق الأمر بالأفراد أو بالأحزاب، فإنّ عمليات «الاغتيال المعنوي» الإرهابية، أصبحت بالنسبة لحكّام تونس الجدد وسيلة لممارسة السلطة واستدامتها، وللتمكّن من مفاصل الدولة والمجتمع.

وتتعدّد، بحسب مريم عزّوز، طرق ومناهج تنفيذ الاغتيالات المعنوية «كنسب تهم وصفات تحطّ من قدر الشخص أو المجموعة أو الحزب، سواء أكانت هذه التهم أو الصفات حقيقية أم مفتعلة أم بعضها حقيقي، ولكن يتم التهويل والتضخيم، والهدف في النهاية هو كسر الهيبة وإضعاف الثقة وزعزعة الإقدام والتقليل من شأن الطرف المستهدف».

وقد تكون عمليات الاغتيال المعنوي على درجة من الخطورة لكونها مقدّمة محتملة للتصفية الجسدية، ولكنّ الأخطر هو أنّ عمليات «الاغتيال» الممنهجة والفعلية تشمل الآن مؤسّسات الدولة ورموزها، ومن ذلك الحملات التشويهية الكبيرة التي تطال رئيس الجمهورية قيس سعيّد في محاولة للتقليل من مواقفه وسياساته.

وكعادتها، فإنّ حركة «النهضة» كثيراً ما تفوّض أمر معاركها القذرة إلى أطراف من ذوي القرابة الإيديولوجية، أو من زبانية الانتهازية ليخوضونها بالوكالة عنها.
وإنّ تاريخ «النهضة» مع مؤسّسة الرئاسة متماثل في طابعه الصّدامي، بغض النظر عن من كان الشاغل للمنصب، وهي صدامية تتجلّى كلّما كانت مواقف الرئيس خلافية معها ومع تطلّعاتها التسلّطية في الحكم.

ولا يُعرف أنّ «النهضة» قبلت خلال عشرية الحكم المنقضية بأن يكون رئيس الجمهورية على خلاف مع سياساتها، ومستقلّاً بمواقفه، فضلاً عن أن يكون معادياً لها.
ولا يبدو أنّ «النهضة» مكترثة بمآلات نزوعها الدائم إلى ممارسة الإرهاب الفكري والاغتيالات المعنوية على استقرار المجتمع ومؤسّسات الدولة، لأنّ الأساس بالنسبة إليها هو التمسّك المرضي والمحموم بالسلطة، حتّى وإن أدّى ذلك إلى إرهاب فعلي وإلى حالة من الدمار غير المسبوقة.

الحرب بين الرئيس سعيّد وحركة «النهضة» تهيمن على المشهد السياسي منذ أشهر، ولكنّ وتيرتها ازدادت بمناسبة زيارة الرئيس التونسي إلى مصر، وهي زيارة رأت فيها الحركة «الإخوانية» تهديداً مباشراً لمصالحها ولسلطتها، ذلك أنّ انخراطاً محتملاً ومطلوباً للرئيس قيس سعيّد في محور إقليمي جديد، سيحدث تغييراً جذرياً في السياسة الخارجية التونسية، وستكون له تداعيات مباشرة على المشهد السياسي والحزبي، وهو ما لن تقبل به مطلقاً حركة «النهضة».

وإنّ المعركة الحالية المتعلّقة بتأويل نصّ الدستور هي نتيجة منطقية لسياسات «النهضة»، التي عطّلت طوال السنوات الماضية عملية تركيز واستكمال مؤسّسات الدولة، ومنها المحكمة الدستورية، وهي لذلك تجني ثمرات مواقفها وسياساتها. وإنّ نزوع سعيّد إلى الانفراد بتأويل الدستور نقدّر أنّه ليس عملاً تسلّطياً قدر ما هو من باب ملء الفراغ والاستغلال السياسي لأخطاء «النهضة»، وهو من الأمور المشروعة، خصوصاً إذا كانت تتوافق مع المصلحة العامّة.

إنّ معركة الرئيس هي في لبّ التصدّي لسياسات التدمير والاغتيالات المعنوية وغيرها التي مارسها «الإخوان» في مصر تحت عنوان «نحكمكم.. أو ندمّركم» كما ورد في تدوينة للمناضل الوطني والديمقراطي الراحل العربي عزّوز، المعركة نفسها تخوضها الآن حركة «النهضة» الإخوانية تحت شعار «نحكمكم.. وندمّركم».

طباعة Email