مصر وسد النهضة.. دوران العجلة غير السياسية

ما لم تحدث معجزة، فإن اللحظة التي ما كنا نتمنى أن نصل إليها نحن المصريين مع إثيوبيا، تقترب جداً ومؤشراتها تتلاحق يوماً بعد يوم، خصوصاً بعد التصريحات الأهم في هذا الملف للرئيس المصري عبد الفتاح السيسى أخيراً، من قناة السويس حينما قال بوضوح إن «مصر لن تتنازل عن قطرة مياه واحدة، وأنه لا يوجد أحد بعيد عن قدرة مصر، ومن يرد أن يجرب فليجرب».

وزير الخارجية المصري سامح شكري استبق جلسات المفاوضات المهمة، التي عقدت أخيراً في العاصمة الكونغولية كينشاسا بشأن سد النهضة، ليقول إنها الفرصة الأخيرة، مرسلاً رسالة واضحة لكل من يهمه الأمر، بأن مصر سئمت من الطريقة الإثيوبية في التعامل مع ملف السد.

وبعد مباحثات لثلاثة أيام، خرج شكري ليقول للإعلام إن إثيوبيا واصلت تعنتها، ورفضت كل الحلول المرنة التي قدمتها مصر والسودان، ما يعني عملياً أن المفاوضات السياسية وصلت إلى نهايتها، خصوصاً أن وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية، أطلقت يوم الجمعة 10 أبريل الحالي حملة عنوانها «لن تمنعنا أي قوة على الأرض من بناء سد النهضة»!.

شكري بدأ يتحدث بلهجة أقوى، ومساء الثلاثاء «7 أبريل»، قال إن مصر سوف «تتحرك» إذا تم المساس بحقوقها المائية.. هذه الرسالة القوية أعلنها شكري لأكثر من وسيلة إعلام مقروءة ومرئية، وكأنه يريد أن تصل رسالته للجميع صوتاً وصورة.

بعدها بيوم، أي صباح الأربعاء «8 أبريل»، عاد الرئيس عبد الفتاح السيسي ليؤكد على الخط الأحمر من جديد، لكن مزجه هذه المرة بأن مصر لا تعارض تنمية إثيوبيا، وأن الاتفاق أفضل من الوصول إلى أي حل آخر. ثم أكد أن «كل الخيارات مطروحة وواردة».

 كان لافتاً للنظر يومها أن الرئيس السيسي قال كلاماً مهماً خلال افتتاح مركز الإصدارات المؤمنة شرق القاهرة يوم 8 أبريل هو: «نحن نسقنا مع أشقائنا في السودان على الإجراءات».

التأكيد على وجود تنسيق مع السودان شيء مهم، وكان لافتاً للنظر أن سامح شكري حينما غادر كينشاسا مساء الثلاثاء لم يعد للقاهرة، وإنما اتجه للخرطوم. ويلفت النظر هنا، أنه وبعد فتور شديد في علاقات مصر والسودان، خصوصاً أيام نظام عمر البشير، تصريحات عبد الفتاح البرهان والتي تشير إلى مزيد من التنسيق مع مصر، وتأكيده أن مشكلة حلايب وشلاتين لن تكون عائقاً أمام تعميق علاقات البلدين. 

ومن الواضح أن عجلة التحرك المصري قد بدأت. لا يعني ذلك أن الحرب وشيكة، ولكن الرسالة واضحة لإثيوبيا، وهي أن المباحثات فشلت، وأن مصر ستتحرك بصورة مختلفة إذا وقع ضرر على حقوقها. وهذه العبارة التي تربط بين التحرك والضرر، تحتاج إلى فهم وتفسير، لأنها واسعة وغامضة ومطاطة.

 ومن الواضح من تحليل كلام المسؤولين المصريين، أن الأسابيع القليلة المقبلة سوف تشهد تحركات دبلوماسية مصرية، هدفها كما قال الرئيس السيسي، «التأكيد للعالم على عدالة قضيتنا في إطار القانون الدولي والأعراف الدولية ذات الصلة». 

وطبقاً لوزير الخارجية المصري، فإن مصر قد تذهب مرة أخرى لمجلس الأمن. البعض يقول ولماذا نذهب للمجلس، حيث ذهبنا إليه قبل شهور، وإن أقصى ما سيفعله هو كلمات عامة مطاطة، ولن تكون ملزمة لإثيوبيا، ثم إن بعض الأعضاء الدائمين في المجلس لا يرحبون بهذه الخطوة، حتى لا تكون سابقة تلزمهم بقواعد جديدة بشأن الأنهار؟!.

من حق الناس أن تسأل وتستغرب من التحرك السياسي مرة أخرى، لكن من المهم إدراك أنه قبل أي تحرك خشن غير سياسي، فمن المهم أن تقوم مصر بإبلاغ كل الدول ذات الصلة في القارة الأفريقية والإقليم والقوى الكبرى بأنها بذلت كل الجهود السياسية طوال عشر سنوات ولم تحصل في المقابل إلا على تعنت إثيوبيا.

من المهم أن تصل هذه الرسالة واضحة للجميع، حتى يعذر العالم مصر حينما تقرر تحركاً مختلفاً للحفاظ على حقوقها المائية، وبالتالي لا بد أن من استنفاد كل الخطوات السياسية والدبلوماسية، لكن بشرط واضح مهم، وهو ألا يكون ذلك بعد فوات الأوان، وبعد أن يقع الضرر، وبعد أن تكون إثيوبيا قد غيرت قواعد اللعبة، بحيث يكون أي تحرك لاحق غير ذي جدوى.

مرة أخرى، العجلة المصرية من الواضح أنها تحركت، وعلينا أن ندرك أن سلاح الوقت صار ضاغطاً، خصوصاً أن إثيوبيا تؤكد أن الملء الثاني الأحادي للسد سيتم في الصيف المقبل. باختصار، هي تريد التفاوض بعد أن يتم الملء حتى تفرض شروطاً جديدة.

 * رئيس تحرير صحيفة «الشروق» المصرية

 
طباعة Email
#