العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    سعيّد في مصر.. الزيارة الضرورية

    قد لا يختلف اثنان على أنّ زيارة الدولة التي أدّاها الرئيس التونسي إلى مصر كانت نقلة نوعية في السياسة الخارجية التونسية للرئيس قيس سعيّد، وهي إلى جانب ذلك، علامة دالّة على تحوّلات عميقة ومرتقبة في المشهد السياسي الداخلي لبلد يعتبر منشأ مرحلة ما سمّي «الربيع العربي».

    وقد جاءت هذه الزيارة في توقيت بلغت فيه «الثورة» منتهاها، فلا هي استطاعت أن تحقّق حلم المواطن التونسي في حياة حرّة وكريمة، ولا هي ساهمت في خلق نخب سياسية وحزبية قطعت مع الفكر الانتهازي ومع الفساد، ولا هي امتلكت القدرة على القيام بالإصلاحات الكبرى الضرورية، وهي إلى جانب كلّ هذه المآسي تمّ ابتزازها من أطراف «سياسية» معادية في العمق للدولة المدنية، ومنخرطة بالكامل في منظومة الإسلام السياسي «الإخواني» المعادية للحياة وللحرّية.

    وإنّ أهمّية زيارة الرئيس التونسي لمصر يمكن ترجمتها إلى أنّ الزعيم، الذي يرمز في مخيلة شعبه إلى النقاوة الثورية، اعترف بما قام به الرئيس عبد الفتّاح السّيسي لتخليص مصر من سطوة «الإخوان»، وهو ما مهّد لنهوض شامل وحقيقي في مصر، واعتبر سعيّد أنّ هذا الفعل «سينقش في سجلّات التاريخ بأحرف من ذهب».

    ويمكننا أن نخلص إلى أنّ الرئيس قيس سعيّد قرأ أنّ التوازنات الاستراتيجية الإقليمية تشهد تحوّلات جوهرية، وأنّ مرحلة التوافقات والتحالفات المحلية والوطنية التي قامت في دول «الربيع العربي» انتهت وولّى عهدها، لأنّ منطلقها كان خاطئاً وهي بالأساس ضدّ طبيعة الأشياء، ولم تستفد منها الشعوب قدر ما كانت فرصة سانحة لجماعات الإسلام السياسي «الإخوانية» لابتزاز مقدّرات الدول والمجتمعات.

    ويمكن القول كذلك إنّ مرحلة التوافقات وبناء التحالفات على أساس محلّي ووطني بحت لم تساعد المجتمعات على تحقيق تطلّعات الشعوب، بل كانت في أغلبها متنفّساً لجماعات الإسلام السياسي «الإخوانية» كي تتجاوز أزماتها وتغطّي على فشلها في الحكم، أو هي توافقات لإخفاء نزعاتها المتوحّشة للتمكّن من الدولة والمجتمع، وذلك تأسيساً لنموذج ماضوي يعادي المدنية والحداثة والتطوّر، ويزيّف وعي المواطن، ويقضي على مقوّمات الديمقراطية والحياة الحرّة والكريمة.

    ويبدو أنّ الرئيس قيس سعيّد توقّف عند حقيقة ساطعة، وهي أنّ صراعه مع جماعات الإسلام السياسي «الإخوانية» ومنها حركة «النهضة»، لن يُحسم على المستوى الداخلي الوطني الصّرف بسبب أنّ المعطى «الإخواني» مجال فعله أوسع بكثير من المجال الوطني، وهو ما قد يفسّر الرجوع الكبير للثّقل الدولي، وبالخصوص الإقليمي، في الموازنات الوطنية والداخلية. من الواضح إذن أنّ المعطى الإقليمي يلقي بظلاله وبثقله على الأوضاع الداخلية للدول، وهو وضع لم يعد معه من الممكن تصوّر أيّ خلاص خارج هذه التوازنات الاستراتيجية الإقليمية الجديدة.

    وتحتلّ مصر مع بعض دول الخليج العربي، الموقع المحوري في هذا الثّقل الإقليمي الذي ما انفكّ يتدعّم ويتوسّع.

    وإنّه ما من شكّ في أنّ زيارة الرئيس قيس سعيّد فتحت الباب مشرعاً حتّى تدخل تونس «أوربيت» المشروع الإقليمي الجديد، وتصبح جزءاً من هذه التوازنات الإقليمية ومن هذه المنظومة.

    وإنّ فشل حكومات «الثورة» منذ 2011 بقيادة «النهضة الإخوانية» في تحقيق الحدّ الأدنى الذي يضمن كرامة المواطن وعزّة الوطن، ساهم في ترسيخ القناعة لدى عموم التونسيين بأنّ السياسات القائمة على التوافقات بين الأطراف السياسية والحزبية كانت عقيمة، وغاب عنها النفس التنموي والإصلاحي، وانحرفت بمسار هذه «الثورة»، وساهمت في إضعاف المشروع الوطني الديمقراطي التقدّمي لفائدة المشروع الماضوي «الإخواني».

    وإنّ هذا الفشل المتكرّر لحكومات «النهضة» في تونس، وللمشروع «الإخواني» في مختلف دول «الربيع العربي»، غيّر قواعد اللعبة السياسية، وفرض عملية الفرز الضروري بدل التوافقات المغشوشة، الفرز بين قوى إصلاحية مدنية وتقدّمية، وقوى أريد لها أن تكون محافظة ولكنّ دخول جماعات الإسلام السياسي «الإخوانية» جعلها تراوح بين الماضوية المعادية للحياة والحرّية، ولا ترى غضاضة في اعتماد الإرهاب كآلية من آليات تحقيق الأهداف السياسية.

    إنّ المنطقة العربية مقدمة على امتحانات ورهانات جدّية وخطيرة، وقد دخلت منعرجاً حاسماً فرض التعاطي الجدّي مع ما يهدّد المصالح المشتركة بين الدول العربية ومصالح الأوطان كلّ على حدة.

    وإنّ زيارة الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى مصر تعتبر مرحلة مهمّة في اتّجاه رسم ما هو مشترك من السياسات، لمواجهة المخاطر التي تعترض الأوطان، لأنّ الهدف الأساسي لجماعات الإسلام السياسي «الإخوانية» كان إضعاف الدول والمجتمعات الوطنية من أجل فرض أمر واقع إقليمي يعصف بمكتسباتها.

    طباعة Email