نجاحٌ بلا أسرار

«اللؤلؤ لا يطفو على السطح، يجب أن نغوص من أجله، والفرص لا تطرق الأبواب فمن يريدها عليه أن ينتزعَها انتزاعاً» ربما كانت هذه العبارة من كلام صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، مدخلاً مناسباً لقراءة طبيعة تفكيره في فلسفة النجاح والتميّز حيث تتكامل مجموعة من المفاهيم والمصطلحات فيما بينها لتشكل الملامح الأساسية والجوهرية لقيمة النجاح على المستويين النظري والتطبيقي في تجربة سموه الممتدة على مدى أكثر من خمسين عاماً، فالتغيير والإيجابية والتحدي والتفوق والامتياز ومواجهة فكرة المستحيل، مصطلحات عميقة الحضور في كلام سموه تأخذ دلالاتها من قلب الواقع المَعيش وليست هي مجرد مفردات للتعبير عن الأماني والأحلام، بل أصبح لدينا معجم محدد الدلالات يعمل بطريقة ذكية على تغيير أنماط التفكير السائدة والانتقال بها نحو أفق جديد من العمل الريادي المتميز الذي لا يستطيع إنجازه الإنسان الذي ما زال أسيراً في قبضة التصور الروتيني للحياة، بل هو من اختصاص الإنسان الجديد الذي تمّت صناعته ضمن منظور جديد للحياة يستثمر أفضل ما في الإنسان من طاقات، ليكون ذلك مطابقاً لفكرة عميقة الحضور في منظور سموه خلاصتها: إنّ أعظم إنجاز في مسيرة الدولة هو صناعة الإنسان، وإعادة تأهيله بما يحرر إرادته، ويدفعه نحو تقديم أقصى ما لديه من طاقة وابتكار في سبيل تنمية الوطن ورفعة شأنه.

ضمن هذا المنظور المتكامل المتماسك في تفكير صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تتمحور هذه المقالة حول ما نشره سموه في زاوية «علمّتني الحياة» عن سر نجاح دولة الإمارات في مسيرتها التنموية الرائدة حيث تمّ عرض الفكرة من خلال ثنائية السؤال والجواب حيث قال سموه: «سألني الكثيرون عن سرّ نجاحنا»، ليأتي الجواب بنبرة هادئة عميقة الإيحاء بالثقة على النحو التالي:

(ليس هناك أسرار، وليس لدينا معرفةٌ أكثر من غيرنا أو علمٌ لم يسبقنا إليه أحد) حيث بدّد سموه في هذا المقطع من الجواب جميع ما يخطر على البال من الأجوبة غير المنطقية، فهو يجزم بالنفي بأنه ليس هناك أسرار خاصة بمسيرة الدولة أو وصفة جاهزة للنجاح، وتزداد الإجابة وضوحاً وتواضعاً حين يؤكد سموه أنه ليس لدينا أيضاً معرفةٌ أكثر من غيرنا من الأمم والشعوب بل ربما كان هناك من هو أكثر منا معرفة نظرية بفنون الإدارة ونظريات التقدم، أو نوعٌ خاصٌّ من العلوم التي لم يسبقنا إليها أحد، فانفردنا به من بين جميع الأمم والشعوب، فهذا وذاك ليسا موجودَين، وربما كان هناك من يسبقنا في كثير من المعارف والعلوم، لكنّ السرّ الحقيقي لكل ما يكتنف مسيرة الوطن من خير وتقدم وإنجاز هو عملية الربط الصحيح بين القول والفعل وهو ما عبّر عنه سموه بقوله توضيحاً وتفسيراً لكل ما تقدم: «كلُّ ما فعلناه أننا حوّلنا معرفتنا إلى أفعال، وحوّلنا علمنا إلى عمل، وأقللنا الكلام وأكثرنا العمل»، وعلى الرغم من تفرّد دولة الإمارات في محيطها العربي بهذا النمط النادر الناجح من الإدارة إلا أنّ ما قاله سموه هو في جوهره سرّ تقدم جميع الأمم عبر التاريخ الإنساني، فلا شيء أضرّ على الإنسان فرداً كان أو جماعة أو مجتمعاً من المسافة الفارغة بين القول والعمل، ولا نعرف حضارة قوية أو مَدَنية عميقة التأثير في المسيرة الإنسانية قامت على مجرد الأحلام وضرب الفأل، بل جميع الحضارات المؤثرة الفاعلة قد نهضت ضمن جهود ضخمة استدعت ركوب الأهوال، واعتصار العقول، وتقديم الشهداء في شتى ميادين الحياة، والإمارات اليوم حين تمضي قُدُماً في طريقها الصاعد نحو العُلا والمجد إنما تترسّم خطى الآباء والأجداد الذين انطلقوا كسيول الخيل للإسهام في صناعة التاريخ واكتساب كل مَحْمَدة، وهل سينسى التاريخ فرسان جزيرة العرب الذين تركوا أوطانهم، ووصلوا إلى أقصى نقطة معروفة في العالم القديم من الأندلس غرباً إلى حدود الصين شرقاً ليقدموا واحدة من أروع الحضارات الإنسانية التي أضاءت زوايا التاريخ، ووضعت الروح الإنسانية في مسارها الصحيح.

بعد ذلك يلفت صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم النظر إلى قضية في غاية الأهمية والفاعلية هي الإقلال من الكلام في مقابلة الإكثار من العمل، فإنّ واحدة من المعضلات الراسخة في حياتنا العربية هي كثرة الكلام عن المشاريع والآمال، ووضع الناس في صالة الترقب والانتظار لسنوات عديدة وأزمان مديدة، ومع ذلك تعيش أجيال وتغادر الحياة أجيال ولا يرون شيئاً قد تحقق من هذه الآمال العريضة والأماني التي تلوح من بعيد كالسراب في قلب الصحراء يحسبه الظمآن ماءً، وكم حذّر سموه في كثير من المواطن لا سيّما في كتاباته التي يستنهض بها العزائم من مغبة التورط في كثرة الوعود والنكوص عن التنفيذ، فإنّ هذا الوضع سيؤدي حتماً إلى زعزعة الثقة بالقيادات، ويجعل مصداقيتها على المِحكّ، فالناس قد ملّت أسماعها من الوعود وتريد شيئاً متحققاً على الأرض، فهذا وهذا هو وحده الذي يؤسس للعلاقة الرشيدة المتزنة بين الحاكم والمحكوم.

أما خاتمة هذه الإطلالة البديعة فهي من أروع ما يُختتم به الكلام، فبعد الحديث عن المنهج وضوابط المسيرة كانت الثمرة الرائعة التي يتغيّاها كل قائدٍ جسورٍ متبصّرٍ بطبيعة الحياة وهي أن تصبح الأفكار جزءاً من الوعي، لكي تلتصق بالروح من الداخل ويصعب التخلي عنها بل تصبح تجري مجرى الدم من الإنسان، وهو ما عبّر عنه سموه بقوله بعد جميع ما تقدم من ملامح المسيرة الرائعة للدولة: «حتى أصبح النجاح ثقافة» ومعلوم في علم النحو أنّ حرف «حتى» يفيد انتهاء الغاية، فالغاية التي يريدها سموه هي أسمى الغايات في حياة الشعوب وهي أن يصبح النجاح ثقافة بمعنى أنه جزءٌ من تكوين الإنسان وليس لباساً مستعاراً من الخارج بل هو ثمرة تجاربه ونجاحه وكبواته وفشله، فعلى هذا الأساس المتين الصلب تتأسس مسيرة الدولة والإنسان، وعلى الرغم من تأكيد سموه الدائم على الفوز وأن يكون الفوز بالمركز الأول إلا أنه لا ينطلق من رؤية حالمة غير واقعية بل هو الذي يجعل الفشل مُعلّماً كبيراً حين يقول: «الفشل الحقيقي ليس أن تقع على الأرض، لكن أن تظل على الأرض عندما يُطلب منك الوقوف، الفشل الأكبر هو ألّا تريد أن تقف مرة أخرى».

إنّ ما ينشره صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد في هذه المرحلة الحاسمة من مسيرة الوطن هو من أكثر الوسائل قدرة على بناء الوعي الصحيح، وإعادة تأهيل القدرات ومساعدة الإنسان على اكتشاف ذاته المبدعة، وتحريره من الخضوع للروتين والكسل، والزجّ به في طريق المغامرة المدروسة التي تقتضي الشجاعة والثبات، وبحسب عبارة رائعة المحتوى لسموه «فالروتين عدوّ الريادة، والنشاط يدعو إلى مزيد من النشاط، والعمل متعة وهو طريق النجاح».

 

طباعة Email