بايدن ليس بالضرورة إرثاً لأوباما

منذ فوز جو بايدن بالرئاسة الأمريكية، كثرت التكهنات حول ما سيتمخض عنه هذا الحدث المهم من تغيرات جوهرية في سياسات الولايات المتحدة بمناطق عدة من العالم، في مقدمتها الشرق الأوسط الملتهب، حيث تلتقي سياسات متصارعة تسعى بكل حذر إلى الابتعاد عن الاحتكاك ببعضها في ظل أوضاع بالغة التعقيد والحساسية.

الرئيس بايدن هو أكثر الرؤساء الأمريكيين، الذين يُنتخبون للدورة الرئاسية الأولى، خبرة بالشؤون الخارجية، فنظرة لسيرته الذاتية لا تترك مجالاً للشك بذلك. فقد انتُخب عضواً في مجلس الشيوخ منذ العام 1972، وأعيد انتخابه لعضوية هذا المجلس ست مرات، وترأس لجنة العلاقات الخارجية فيه على مدى أربع سنوات في العقد الأول من القرن الحالي، ليتخلى عن هذا الموقع عام 2009 حين أصبح نائباً للرئيس باراك أوباما على مدى ثماني سنوات.

لا شك أن الرئيس بايدن سيحدث تغييرات ملحوظة في السياسات الأمريكية على المحورين المحلي والخارجي، لأنه يأتي خلفاً لإدارة الرئيس دونالد ترامب غير التقليدية في العرف السياسي الأمريكي، حيث أكد أكثر من مرة منذ فوزه بالانتخابات، أنه سيعمد إلى تقييم سياسات حقبة سلفه، لتعود الولايات المتحدة حليفاً موثوقاً به مستعداً للعودة إلى الاتفاقيات والمؤسسات العالمية، وهي رسالة بالغة الأهمية لحلفائه الأوروبيين الذين تراجعت أواصر علاقاتهم ببلاده إلى حد كبير خلال حقبة ترامب.

ومع أنه حدد أربع أولويات لإدارته، فيها ما فيها من مآخذ واتهامات لإدارة الرئيس ترامب، تتعلق بالتعامل مع جائحة «كورونا» والتعافي الاقتصادي والمساواة العرقية والتغير المناخي، إلا أن واقع الحال لا يشجع على القناعة بقدرات إدارته على ذلك.

صحيح أن الجهد الإداري لمعالجة التغير المناخي هو الأبسط بين هذه الأولويات، فهو لا يحتاج سوى لقرار العودة إلى اتفاقية باريس، حيث أسندت هذه المهمة لوزير الخارجية الأسبق جون كيري، إلا أن مقاربة الأولويات الأخرى ليست بهذه السهولة لأن هناك أطرافاً أخرى لها علاقة بملفاتها. فالولايات المتحدة تعاني من تضخم المشكلات المجتمعية والانقسامات العرقية، كما أن التعافي الاقتصادي لا يتفق تماماً مع التصدي لجائحة «كورونا» ولا يتفق مع مقاربات أخرى لا تخص الداخل الأمريكي، وإنما تتعلق بقضايا ملتهبة تهدد بانفجارات لا تستطيع واشنطن تجنب شظاياها المباشرة وغير المباشرة.

الرئيس بايدن يتولى مهام منصبه في ظروف شائكة جداً في مناطق شتى من العالم، فهو لا يستطيع تجاهل حقيقة أن إحدى أبرز أولويات إدارته، التعامل مع الملف النووي الإيراني، واتفاقية خمسة زائد واحد لعام 2015 التي خرج منها سلفه، فهو الرئيس الرابع الذي يتعامل مع هذا الملف الساخن الذي فُتح للمرة الأولى عام 2003، وازداد سخونة وتضخماً، وتضاعفت تعقيداته السياسية إقليمياً ودولياً حين لحقت به ملفات ملتهبة أخرى ذات علاقة وثيقة به، لدرجة تهدد بشكل خطير الأمن الإقليمي، وربما الأمن الدولي.

كما سيحظى الملف الأمني بعناية خاصة لدى الإدارة الجديدة، فالاختراقات السيبرانية التي تتعرض لها المؤسسات الأمريكية الأمنية، الشديدة الحساسية، من دول عديدة، ستفرض نفسها كأولويات لديها، وهو ما تعرض له الرئيس بايدن صراحة، منتقداً تقصير إدارة ترامب في هذا المجال.

التعيينات التي أجراها الرئيس بايدن لإشغال المناصب القيادية في إدارته، سبق أن كان معظمها من العاملين في إدارة الرئيس أوباما، ولكن ذلك لا يعني أن ولايته ستكون بمثابة الولاية الثالثة للرئيس أوباما، كما ذهب البعض، فالظروف الدولية قد تغيرت وكشفت عن العيوب في استراتيجية أوباما الخارجية، التي كان بايدن جزءاً منها، والتي أضرت كثيراً بعلاقات بلاده بحلفائها الموثوقين في الشرق الأوسط، وهو ما اعترف به الرئيس بايدن صراحة.

طباعة Email