ومضة المخاطرة والتحدي ومضة قياديّة

طاقة التحدي والمواجهة لا تأتي بالأمنيات والأحلام، ولا يمتلك ناصيتها من اعتاد وثيرَ الفراش ونومة الضحى، بل هي قَدَرُ الرجال الكبار المنذورين للقيادة، وبناء الأوطان، واجتياز المخاطر، ونحن في هذا الوطن محظوظون بفارسٍ من فرسان التحدي على مستوى النظرية والتطبيق هو صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، الذي يحرص بين الحين والآخر على بعث الروح المعنوية العالية في قلوب أبنائه وبناته وفرق العمل المنخرطة معه في بناء الدولة، وتطوير مرافقها، وتسريع وتيرة التنمية فيها، وحين يتساءل المرءُ: من أين جاءت هذه الرؤية الجامعة بين النظرية والتطبيق في حياة صاحب السموّ ؟ سينكشف له السرّ حين يرجع إلى القصتين الرابعة عشرة والخامسة عشرة من سيرته الذاتية المُلهمة (قصتي: خمسون حكاية في خمسين عاماً)، حيث نجد قصة الخيل الأولى في حياة صاحب السموّ حين كان عمره عشر سنوات وأخبره والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم برغبته في إقامة سباق للخيل في دبيّ تحضره جميع القبائل، وطلب من صاحب السموّ أن يُشارك في هذا السباق المثير، وكيف أنّ هذا الطلب قد منحه إحساساً عميقاً بالفخر والرغبة في التحدي راوياً ذلك في قصة جميلة السرد ملهمة للقارئ فيها كل الدلائل على غرس بذور التحدي في شخصيته وقلبه الجسور الشجاع منذ تلك اللحظة الفارقة في حياته العامرة بالإنجاز والتحديات، وسأكتفي هنا بنقل الجزء الأقلّ منها لإثباته في هذه الإضاءة لدلالته الكافية على المقصود حيث ذكر صاحب السموّ قيامه بمساعدة والدته الشيخة الجليلة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، بعلاج فرس أصيلة تُدعى (سودا أم حَلَجْ ) كانت تُعاني من مرضٍ في الحافر، وكيف صبر على علاجها ثلاثة أشهر، وأن ذلك العمل كان أهم مشروع في حياته بحسب عبارة سموّه، وكيف أنّ تلك الفرس الأصيلة وعلى الرغم من إصابتها قد حقّقت مركزاً مرموقاً في السباق وكان باستطاعتها أن تحقق المركز الأول لولا ظروف خارجة عن إرادة صاحب السموّ، وكيف أن شقيقه الشيخ حمدان بن راشد، رحمه الله، قد طلب إليه أن يضمّ هذه الفرس الأصيلة إلى خيله، فلم يجدْ بُدّاً من تلبية الطلب على الرغم من مشاعر الانكسار التي تسللت إلى قلبه حين تخلى عن هذه الفرس التي تعلّم منها أول دروس التحدي، ليختم هذه القصة الرائعة بقوله: «علّمتني خيلي الأولى أنّ الإنجاز لا يأتي على طبقٍ من ذهب، وتعلمت من خيلي الأولى أنه عندما تُحبّ شيئاً واصلْ فيه إلى النهاية، عندما تُريد إنجازاً أعطه كلّك، لا تُعطه بعضك إلا إذا كنتَ تريد نصفَ إنجاز، أو نصف انتصار».

وتأسيساً على هذه الحادثة الفريدة المبكرة في حياة صاحب السموّ ترسّخت ثقافة التحدي والمواجهة في حياته وشخصيته وخططه ومشروعاته، بل إنّ بناء الدولة تمّ ضمن هذه المعادلة التي تقوم على إدراك وجود المخاطر، والرغبة القوية في مواجهتها وتجاوزها وصناعة الواقع الجديد رغم كل الظروف.

وفي هذا السياق من الرؤية والعمل الحثيث المتواصل تأتي ومضات صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد الذي يتبوّأ مركزاً متقدماً جداً بين القادة العالميين، وتتجلّى بصمته القوية الواضحة في جميع مسارات الحياة في وطننا الحبيب.

يفتتح صاحب السموّ هذه الومضة بهذا التساؤل الذي يُخاطب الفطرة والعقل في أصفى حالاته ويحمل في طيّاته تحفيزاً للهِمم وشحذاً للطاقات ويصوغه على النحو التالي: «اتصوّرو إنتو دنيا بدون تحديات» ليكون ذلك بمثابة الهزّة القوية لكل من يتسلل إليه مثل هذا الوهم الذي ينكره الواقع وتشهد طبيعة الحياة بخلافه، فلا يمكن أن تغيّر الدنيا طبيعتها، وهي في جوهر طبيعتها قائمة على هذه الحقيقة التي يشهدها الإنسان في جميع ما يحيط به لكنّه في لحظة استرخاء ربما حاول أن يتناسى هذه الطبيعة الجوهرية للحياة الدنيا، فتأتي مثل هذه الومضة القوية المؤثرة لكي تعيده إلى المربّع الصحيح للحقيقة، فالانطلاق لمواجهة الحياة من خلال الوعي بحقائقها وسننها الكونية والطبيعية هو الذي يضمن وضوح الرؤية، ومواصلة السير في الطريق الصحيح مهما كانت الصعوبات والتحديات.

بعد ذلك تنطلق الومضة وفي نبرة خطابية مباشرة للمستمع لتؤكد أنّ مسيرة الدولة كانت محفوفة بالتحديات، وأن المخاطر لم تكن يوماً عائقاً في وجه تحقيق الأهداف بل زادت من قوة الإرادة، لأنّ الحقيقة وبكل بساطة وبحسب عبارة صاحب السموّ: «ما في مشروع بدون مخاطر» فهل تتوقف عجلة الحياة لوجود المخاطر؟ ومؤكدٌ أنّ الإجابة ستكون ضمنية وأنه لا يمكن للحياة أن تتوقف لهذا السبب، وأن مجرد التفكير بالمخاطر هو العائق الفعلي في وجه التقدم بالوطن، فالتحديات لا توقف المسيرة بل الواجب هو البحث الدؤوب عن الوسائل التي تقوي اقتصاد البلاد، وتوفّر أرقى أنماط الحياة للمواطنين، فالدولة لا تضع هدفاً قبل هذا الهدف الذي يتجلى عبر مسيرتها المظفرة في جميع مرافق الحياة، لتأتي جملة «لازم نستمرّ» توكيداً لكل ما سبق من كلام صاحب السموّ داعياً إلى التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب، وامتلاك الشعور الإيجابي بالحياة، لأنه هو الوقود الأساسي لحركة الإنسان، وهو ما يحرص صاحب السموّ دائماً على تعميق الإحساس به، فالمخاطر موجودة، والتحديات أيضاً موجودة، لكن الذي يريد الوصول إلى أهدافه فسوف يصل بعون الله وتوفيقه.

وإذا كانت هذه المقالة قد استضاءت في بدايتها ببواكير حياة صاحب السموّ، وكيف أنه تلقّى درس التحدي مبكراً في صباه من والده الجليل رحمه الله، فيطيب لي أن أختمها بكلام في غاية الوضوح والمتانة من كلام صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد بعد أن تمرّس بدقائق الحكم والسياسة والإدارة، ذكره في الفصل الثالث عشر من كتابه «رؤيتي: سباق التحديات والتميز» حيث عقد فصلاً بعنوان «سباق الأمم والشعوب» وحين ننظر في هذا الفصل المتوهّج بالأمل نجد فيه الروح القوية التي تتجلى لنا الآن في هذه الومضات الرائعة حيث يقول: «عندما نتحدث عن المستقبل فنحن نتحدث عن التحديات.

طموحاتنا كبيرة، ونتوقع أن تكون التحديات التي سنواجهها بحجم الطموحات، وستتوقف قدرتنا على مواجهة تلك التحديات على العمل والتخطيط والاستعداد والتفاؤل والثقة بأنفسنا وقدراتنا، وعلى أملنا الكبير بأننا نستطيع أن نصل إلى أهدافنا.

التحديات الكبيرة هي التي تصنع الشعوب الكبيرة، وحين أنظر إلى الماضي ثم أعود وأنظر إلى المستقبل فأنا مقتنعٌ في قرارة نفسي بأننا سنتغلب على تلك التحديات وسنحقق النجاح لأننا فعلنا هذا في الماضي وسنفعله في المستقبل». ملخّصاً سموّه بهذه الرؤية العميقة جوهر رؤيته للحياة وطبيعة تفكيره في ضبط إيقاعها.

طباعة Email
#