انحراف بالديمقراطية وتحيّل سياسي

يبدو من الضروري فهم المصاعب الحقيقية للعطالة التي أصابت ما يسمى بعملية الانتقال الديمقراطي في دول «الربيع العربي». وإن القراءة الجدية لمسار السلطة في عدد من الدول منذ الظهور الأولي لجماعة من «الإسلام السياسي» في إيران، تؤكد أن الخلل الكبير الذي أعاق عملية الانتقال الديمقراطي هو أن الديمقراطية ليست على جدول أعمال بعض الأحزاب والجماعات إن كان ذلك لأسباب إيديولوجية أو سياسية أو غيرها..

وعندما ارتفعت الأصوات في تونس وفي غيرها من دول «الربيع العربي» من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية، كان الأمل في حياة أفضل يتراءى لها حلماً وشيك التحقق، ولكنه مع الوقت تحوّل هذا الحلم إلى كابوس جاثم على النفوس.

بدأ المواطن الحالم بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم يعاين التحول في سلالة بعض المناضلين، الذين تمكن منهم داء الانتهازية نتيجة الهوس الفجائي بالسلطة.

الخطيئة الأولى والأصلية ارتكبها بعض قادة الدول ما قبل «الربيع العربي» في حق الديمقراطية والحريات العامة والخاصة، وبعدها كل شيء ابتدأ بانحراف نخب هذه الدول عن مسارها النضالي.

نخب أصابها داء الانتهازية وشهدت سلالاتها النضالية تحولات مرضية، لم يعد ينفع معها ما نالته من تلاقيح وتطعيمات معرفية وفكرية، فضيّعت على نفسها وعلى شعوبها معاني الأشياء. وإنه في غياب حراك فكري وثقافي مماثل لذاك الذي عاشته دول شهدت ثورات كبيرة غيّرت مجرى تاريخ الإنسانية، وهي ثورات نجزم بأنها ولّت وانقضت وتركت مكانها لعمليات الإصلاح الكبرى، في غياب ذلك يمثّل انتهاج سبيل الانتقال الديمقراطي أسلم الطرق للنهوض بالمجتمعات والدول بعيداً عن التحوّلات العنيفة التي لم تعد البشرية قادرة على تحمّل تبعاتها.

إنّ البديهية الأولى في عملية الانتقال الديمقراطي هي الاتفاق الأوّلي والمبدئي على ماهية الدولة، وعلى حياديتها بما يحصّنها ضد كلّ أشكال الاختراقات، وهي بديهية تفترض أنّ هذا الاتفاق الأساسي والمبدئي يحب أن يكون بين أحزاب تؤمن بمدنية الدولة واستمراريتها وحياديتها، وهو ما يؤمّن بالخصوص الأجهزة الحسّاسة ضدّ أيّ تلاعب واختراقات، ذلك أنّ الحدّ الأدنى لاستمرارية الدول وتركيز الديمقراطية هو عدم اختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية تحديداً، ولكنّه وفي كلّ الدول التي مرّ منها «الإسلام السياسي» والجماعات الإخوانية كان أصلاً للسلوك السياسي لهذه «الأحزاب» هو القضاء على الدول وليس استمرارها، وذلك بحسب ما أتاحته موازين القوى على الأرض، وقد تكون تونس أكبر الأمثلة الدالّة على ذلك.

في تونس كان الاعتقاد يسود بوجود مسار انتقالي وديمقراطي بين أطراف تتنافس على السلطة والحكم، غير أنّ بعض التدقيق من شأنه التأكيد على أنّ هذه المنافسة وهمية نتيجة نجاح حركة «النهضة» الإخوانية في إضعاف الأطراف الوطنية والمدنية، والتي يُفترض أن تكون منافسة لها.

ونعتقد أنّ هذا السلوك هو قصدي وإرادي من «النهضة» وقد تمّ على مراحل ثلاث:

كانت البداية بحلّ حزب «التجمّع» الحاكم في المنظومة السابقة وبمحاولة اختراق والقضاء على منظمّة الاتّحاد العام التونسي للشّغل، لتمتدّ إلى تفتيت كلّ الأحزاب التي قد تكون لها فرصة المنافسة الجدّية على السلطة والحكم، وقد كانت «النهضة» تجد دائماً في هذه الأحزاب من ينفّذ لها خططها، حزب نداء تونس مثالاً.

وثانياً، حاولت «النهضة» وبكلّ الطرق التمكّن من مفاصل الدولة من أجل تثويرها من الداخل، وذلك من خلال آليات ثلاث وهي محاولات اختراق الأجهزة، وتشكيل جيوش احتياط، والتوظيف الأمثل محلّياً ودولياً لخطاب التخويف من عودة العنف والإرهاب. عملية التمكّن من الدولة بدأت بالاستغلال الأمثل للعفو التشريعي العام الذي مكّنها من إعادة إدماج 30 ألف موظّف في الإدارة، وهو ما يمثّل الفرقة الأولى لجيش الاحتياط.

وأمّا الفرقة الثانية لجيش الاحتياط فهي تتكوّن من المنتفعين بالتعويضات التي مكّنتهم منها هيئة الحقيقة والكرامة على مقاس ما ترغب فيه «النهضة» الإخوانية.

وثالثاً، قامت «النهضة» بتركيز حكومات بلا تصوّر وبلا بدائل وطنية وغير قادرة على تنفيذ إصلاحات كبرى.

كلّ الشروط كانت متوفّرة من أجل تنفيذ عملية تحيّل سياسي وديمقراطي كبيرة لطرف لا يؤمن بالدولة واستطاع بـ 10 في المئة من المسجّلين في القوائم الانتخابية وبـ 9 في المئة من نوايا التصويت أن يضع يديه بالكامل على منظومة الحكم، وخلق لنفسه حلفاء من بين أشباح السياسة والانتهازيين بعد اندثار البدائل الوطنية، ولكنّ يبدو أنّه لم يقرأ حساب ورقة الحزب الدستوري الحرّ، الذي قد يشوّش حساباته في انتظار أن يوفّر هذا الأخير كلّ الشروط من أجل حسم المعركة لفائدة بديل وطني حداثي وديمقراطي.

إنّ ما يقوم به الحزب الحرّ الدستوري مهمّ، ولكنّ المطلوب أيضاً لإنقاذ الدولة والانتقال الديمقراطي، هبّة وطنية ومواطنية نراها ضرورة جبهة وطنية بين ما هو قائم من أحزاب وما قد يستحدث منها من أجل إعادة صياغة المنظومة السياسية، ومنع أحزاب ما قبل الدولة، حتّى تقطع تونس مع كلّ أشكال التحيّل السياسي والديمقراطي.

طباعة Email