الهمّة العالية.. قراءة في ومضة برج خليفة لمحمد بن راشد

هذه واحدةٌ من أعمق الومضات تأثيراً في النفس، حيث عوّدنا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، بين الفينة والأخرى على إطلالةٍ عميقة المغزى، تهدف فيما تهدف إليه إلى تعزيز الروح البنّاءة وهي تواجه التحديات، وشَحْذِ العزائم في ظل هذه الظروف التي يشعر معها المجتمع الإنساني بكثير من مظاهر القلق والتوجّس بسبب جائحة «كورونا» التي تعطّل معها إيقاع الحياة، فتأتي هذه الومضات القيادية كالبلسم الذي يُعيد العزيمة إلى الروح، ويضخّ في شرايين الحياة كثيراً من الدماء الصافية المتدفقة لكي يظل للعمل قيمته، وللإنجاز الكبير مغزاه وروعته.

لا يختلف اثنان على أنّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد قائد استثنائي من طراز فريد، وليست هذه الفكرة مجرد دعوى للزهو والافتخار بهذا الرجل الذي ترتسم على ملامحه كل مظاهر الجدّ والعزيمة الصارمة، بل هي ثمرة ناشئة عن واقع تمّ إنجازه على الأرض وبمستويات قياسية وبمواصفات متفردة لا تقبل أن تكون ضمن العادي والمألوف، بل قد وضع سموه وفريق العمل الذي يتشرف بالعمل معه عن قناعة وعزيمة صادقة: أنّ التميّز والمرتبة الأولى هي الغاية التي ليست دونها غاية، فالثاني والأخير في ميزان سموه هما في مرتبة واحدة، وهي فكرة عميقة الحضور في جميع رؤاه وإنجازاته، وأصبحت أسلوب حياة ونمطاً ثقافياً للحياة العملية في بلادنا الزاهرة، وهو الشيء الذي دوّنه صاحب السمو في كتابه الرصين (رؤيتي؛ التحديات في سباق التميز) حيث عقد فصلاً بعنوان «القيادة والتميّز» ميّز فيه ببصيرة نافذة بين أنماط القادة ومدى خدمة التاريخ والأوضاع لبعضهم، ليخلص بعد ذلك إلى النمط الذي يسعى لترسيخه في ثقافة الدولة وإيقاع الحياة، وهو القائد النادر الذي يصنع الواقع، فيُوجد بحنكته وعقله ونهجه القيادي الأحداث التي يتكوّن منها الواقع وبالتالي التاريخ، لكنّ عين سموه كانت على نمطٍ من القادة أكثر فاعلية وتأثيراً، وهم من سمّاهم القادة الأكثر نُدرة، وهم بحسب عبارة سموّه «صنفٌ من القادة المتميزين الذين لا يصنعون الواقع فقط بل جزءاً من وجهة المستقبل وأحداثه».

إنّ هذه الرؤى النظرية العميقة المتفردة في أدبيّات صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد هي خير ما يمكن الاستعانة به لتفسير ومضته الرائعة التي تكلّم فيها عن برج خليفة، وكيف أنّ المخططات الأولى كانت تتسّم بالحذر ومراعاة الواقع وعدم القدرة على الإحساس بالجسارة والجرأة التي تصل إلى حدود المغامرة، لكنّ صاحب السموّ أراد شيئاً آخر، أراد أن يكون لهذا البرج حكاية داخل أروع صفحات التاريخ حين قرّر أن يكون هذا البناء هو أطول بناءٍ وصل إليه الإنسان، وأن يكون مدينة متكاملة في قلب مدينة دبيّ التي أصبحت وجهة العالم الحديث، وأن يحمل اسم رجل عظيمٍ حمل لواء القيادة من فارس الوطن وبانيه ومشيّد أركان نهضته ومسيرته هو صاحب السموّ الشيخ خليفة بن زايد آل نهيّان رئيس الدولة، حفظه الله، وراعي مسيرتها، ليكون ذلك تقديراً عملياً لهؤلاء الرجال الذين ما بخلوا على الوطن ولا على أبنائه بخيرات الوطن بل شاهد الجميع أن خيرات الإمارات راجعةٌ إلى أبنائها وهم المستفيد الأول منها، حيث يتجلى ذلك في هذه المشاريع العملاقة، وهذه الوتيرة المتسارعة في التقدم والإنجاز، وهذه الحياة الرغيدة الكريمة التي يحياها أبناء هذا الوطن ضمن إحساس عميق بالكرامة الوطنية، وهذه العلاقة المتميزة بين الراعي والرعية والتي تقوم على القيام بالواجب وأداء الحقوق من خلال مشاعر المحبة الصادقة والانتماء الواعي لهذا الوطن الأصيل الجميل، فكان هذا البرج «برج خليفة» أحد مفاخر دبيّ، وثروة للوطن كله، وكانت المسافة هائلة بين مشروع متردد خجول وبين مشروع مغامر جسور، لتظل هذه النبرة الواثقة هي المحرّك الفاعل لإيقاع الحياة في هذه الدولة الزاهرة النشيطة.

على المستوى الشخصي، تغمرني الراحة العميقة والثقة بالمستقبل حين أستمع إلى الومضات القيادية لصاحب السمو لأنّ فيها نوعاً من التغذية الراجعة للعزيمة، ورَفعاً للهِمَم التي يشعر أصحابها بالخوف أحياناً وبالتردد، وهذه هي المهمة الأساسية الكبرى للقائد المتميز الذي لا ينتظر الأحداث لكي يصنع الواقع، بل يقتحم بقلبه الشجاع الجسور الميادين الصعبة، ويخوض ببسالة نادرة أروع المغامرات التي تكون مدروسة ولكنها تحتاج إلى الروح القوية، فالمغامرة التي لا ترتكن إلى الحكمة وعمق النظرة ليست حميدة العواقب، لكنّ لفظ المغامرة في أدبيات صاحب السموّ هو رديف الجرأة والجسارة والعزيمة الماضية والتصميم الجازم الذي لا يعرف التردد ولا النكوص، وهو ما نراه في جميع ما ينهض صاحب السموّ بأعباء إنجازه على مدى هذه الأعوام الطويلة من عمره المديد.

طباعة Email