في وداع رمز الإنسانية

بوفاة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، تفقد الإمارات ومعها المجتمع العالمي، واحداً من الوطنيين والنبلاء الذين حملوا هم خدمة الوطن والإنسانية. ولكنه سيبقى خالداً ليكون شعلة ملهمة وأيقونة يحتذى بها للسير على نهجه.

إذا كان المغفور له بإذن الله، أحد رواد الدولة الاتحادية، كونه عاصر مؤسسي حاضر الدولة ومستقبلها، وعمل من أجل رفعة اسمها في المحافل الدولية، فإنه كان يحمل هاجس الاهتمام بالقضايا الإنسانية في العالم، حيث تعددت مساهماته لتشمل كل أرجاء العالم بما فيها دول أوروبا والأمريكتان، عوضاً عن الدول الأفريقية والآسيوية.

لقد كان صباح الأربعاء الماضي، يوماً حزيناً على شعب دولة الإمارات، عندما أُعلن خبر وفاة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، أحد رجالات الدولة الكبار. وبدأت الناس تتناقل خبر رحيله حتى صار الكل يعزي الكل، لأن رحيله خسارة للإمارات وشعبها وكل بيت فيها. وهذا الشعور شمل المقيمين أيضاً، فبمجرد أن يكون هناك تواصل بين اثنين بأي وسيلة كانت، يبادر كل واحد ليعزي الآخر، فتحول مجتمع الإمارات (مواطنيه ومقيميه) ليمثلوا الأسرة الكبيرة للفقيد.

وحين يقدم الشيخ حمدان على أنه أحد بناة الدولة، انطلاقاً من العمل في العديد من المواقع الرسمية على المستوى المحلي والاتحادي، والتي ترك في كل واحدة منها بصمة سيذكرها التاريخ، فإن ذلك تسليط للضوء على جانب واحد من جوانب اهتماماته، فهو بجانب تلك المسؤولية الوطنية الكبيرة، عرف عنه خدمته للتعليم من خلال الجوائز التشجيعية التي خصصها في الدولة وخارجها، كما أنه عرف بحسه الإنساني المرهف، وترجم ذلك بتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية في كل مكان، فكانت أعماله ومبادراته محل تقدير العالم، وعليه يكون من الطبيعي أن يحدث خبر رحيله، صدمة للجميع.

وبشيء من التفصيل، فإن خدمة البشرية وزرع الأمل في نفوس المعوزين والمحتاجين وتحسين أوضاعهم المعيشية، هو الشيء الذي انتظم فيه سموه وعرف عنه، بل كان يحرص عليه. وتنوعت تلك الخدمة لتشمل المشروعات التعليمية وأعمال الإغاثة ورعاية الأيتام وبناء دور العبادة. ومع أن المغفور لم يكن يطل كثيراً عبر وسائل الإعلام، لكن كان يثري بالأفعال والأعمال الخيرية والإنسانية في المجالات التي تصنع الأمل، ومنها على سبيل المثال، مركز الرازي الطبي في فلسطين لعلاج السرطان، ومركز الأمل لعلاج السرطان في الأردن، فضلاً عن مجال التعليم مثل كلية آل مكتوم للدراسات العربية والإسلامية بأسكتلندا، إضافة إلى بناء مدارس في أفريقيا شملت 25 دولة.

سيترك الشيخ حمدان فراغاً في وجدان كل واحد في هذه الدولة، حيث ألِف الجميع تواضعه خلال تفقّد أحوالهم وتنقله في ربوع الوطن، كما ألفوا تواجده في حياتهم واهتماماتهم اليومية من رياضة وتعليم ومساعدات إنسانية، وبالتالي فليس غريباً أن يشعر الجميع بأنه، رحمه الله، يمثل أحد أفراد أسرته الكبيرة.

الوطن بأكمله يشعر بفجيعة فراق صاحب القلب النقي، واليد الممدودة للخير، وإعلان رحيله أشعرنا بحجم تأثيره على الجميع، حتى من لم يعرفوه، إلا من خلال ما تداولته وسائل الإعلام من مآثر لامست الحس الإنساني له، فالفقيد ترك أثراً طيباً محفوراً في ذاكرة الشعب الإماراتي، كما ضرب مثالاً ونموذجاً حين يتحول السياسي ليكون ضميراً للإنسانية، بحيث يكون كل همه خدمة البشر، في أي مكان من العالم.

ونحن نستذكر بصمات الراحل الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، رحمه الله، ومواقفه الوطنية والإنسانية الكبيرة، فإننا ندعو الله العلي القدير أن يرحمه وأن يدخله فسيح جناته، «إنا لله وإنا إليه راجعون».

 

* كاتب إماراتي

طباعة Email