إندونيسيا والجامعات الأجنبية

من المفترض أن الدولة هي التي تقود الجماهير وليس العكس. لكن حينما يختل هذا المبدأ فتخضع الدولة لرؤى واجتهادات العامة، ممن لا يدركون مصالح البلاد العليا، تقع الكارثة، ويصبح العلاج صعباً. وتجربة إندونيسيا في هذا الخصوص هي أوضح مثال.

ففي هذه البلاد، التي يسكنها نحو 270 مليون نسمة، أكثر من 88 في المئة منهم يدينون بالإسلام، يوجد العديد من المدارس والمعاهد الدينية بنوعيها الحديث والتقليدي، علاوة على مؤسسات التعليم العالي الحكومية، مثل الجامعات والأكاديميات والمعاهد الفنية التي ارتفعت أعدادها تدريجياً منذ استقلال البلاد عن هولندا عام 1949، لتصل اليوم إلى نحو 3000 مؤسسة تعليم عال يدرس بها أكثر من خمسة ملايين طالب وطالبة.

الملاحظ هو أن إندونيسيا خالية حتى الآن من الجامعات الأجنبية الخاصة، على الرغم من حاجتها إلى ذلك لتوفير نظام تعليمي يتواكب مع مستجدات الألفية الثالثة، ويخرج طلبة منفتحين على الثقافات الأخرى، وعلى قدر عال من المهنية والكفاءة كي يساهموا في الارتقاء بأحوال بلادهم، التي تخوض سباقاً مع الزمن للنهوض من كبواتها، ولا سيما في المجال الاقتصادي.

إذ من المعروف أن إندونيسيا تعد أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وتصنف على أنها دولة صناعية بدليل عضويتها في مجموعة العشرين. غير أن هذا لا يعني خلوها من مآزق اقتصادية ومعيشية.

والحقيقة أن توطين الجامعات الأجنبية مسألة يدور حولها خلاف كبير، ما بين مؤيد ومعارض في العديد من المجتمعات، ومنها المجتمعات العربية.

فالمؤيدون يرون ضرورة استقدامها وتوطينها لتخريج طلبة متميزين قادرين على دخول أسواق العمل والاستجابة لمتطلباتها بسهولة، خصوصاً وأنها تركز على البحث العلمي والمناهج العصرية المطلوبة، وتبتعد عن الأساليب التقليدية في التعليم، وبما يجعل الجامعات الوطنية تقتدي بها، أما المعارضون فينظرون إليها كأداة أجنبية لاختراق المجتمعات المسلمة والتأثير على مخرجاتها.

قبل أكثر من عقدين، قررت جامعة موناش الأسترالية، التي تتخذ من مدينة ملبورن مقراً لها، وتتمتع بسمعة أكاديمية طيبة، وتحتل الموقع 58 على مستوى العالم، أن تفتح فرعاً لها في العاصمة الإندونيسية كاستثمار تجاري. وقتها وافقت الحكومة الإندونيسية على افتتاح كلية للجامعة المذكورة بالشراكة مع بنك بانين، على أن تكون مرحلية بمعنى إعداد الطلبة الإندونيسيين للالتحاق بمقرها الأم في ملبورن.

لكن سرعان ما وضعت السلطات الكثير من العراقيل أمام تلك الكلية، استجابة للضغوطات التي تعرضت لها من قبل الجامعات الوطنية وأكاديمييها، علاوة على ساسة وقادة الأحزاب الإسلامية، الأمر الذي جعل جامعة موناش تصرف النظر عن مشروعها وتولي وجهها صوب ماليزيا المجاورة، حيث أقامت حرمها الجامعي الضخم في كوالالمبور.

والذي استقطب، ليس الطلبة الماليزيين وحدهم، وإنما أيضاً عدداً كبيراً من الطلبة الإندونيسيين الباحثين عن مستويات تعليمية أرقى دون أن يتغربوا في بلاد بعيدة، مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا واليابان والصين (تقدر منظمة اليونيسكو عدد الطلبة الإندونيسيين الدارسين في الخارج بنحو 45 ألف طالب وطالبة، نصفهم في أستراليا، والنصف الآخر موزعين على الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان والصين وماليزيا وسنغافورة). كان من نتائج هذه الواقعة أن ربحت ماليزيا وخسرت إندونيسيا تربوياً واقتصادياً وبحثياً.

وفي عهد الرئيس الإندونيسي الأسبق «سوسيليو بانبانغ يودويونو» (أول رئيس منتخب للبلاد في عام 2004)، بدأت نظرة جاكرتا لقدوم الجامعات الأجنبية تتغير نسبياً، حيث أدرك يودويونو أن دراسة الإندونيسيين في الخارج - سواء في بعثات حكومية أو خاصة - يعني تسرب أموال طائلة من البلاد، فقرر أن يعالج الموضوع باستقدام الجامعات الأجنبية إلى بلاده من باب التوفير وتحسين الموارد البشرية محلياً، لكن قراره قوبل أيضاً بالاعتراضات التي سبق ذكرها، فبقي الأمر دون حسم.

أخيراً استفاقت جاكرتا على تداعيات قرارها الخاطئ، فقامت بخطوات تمهد لإزالة كل العقبات أمام جامعة موناش لتأسيس فرع لها في جاكرتا. من هذه الخطوات إقرار قانون جديد للتعليم العالي، مع وضع لائحة وزارية له في عام 2018 بهدف تحسين تنمية الموارد البشرية، لخلق فرص عمل مجدية أمام الشباب الإندونيسي.

وتغيير قواعد الاستثمار الأجنبي بما يتيح قدوم الجامعات الأجنبية، علماً بأن القرار يستهدف أساساً الجامعات الأسترالية، تحقيقاً لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الموقعة بين جاكرتا وكانبرا.

وعليه فإنه من المتوقع أن تقوم جامعة موناش بفتح حرمها الجامعي للدراسات العليا ابتداءً من أواخر العام لتضم في بادئ الأمر 200 طالب ماجستير ودكتوراه، على أن يرتفع العدد تدريجياً، خصوصاً وأن الرئيس الحالي «جوكو ويدودو» من أكثر الداعمين لهذه الخطوة، انطلاقاً من أن الجامعة ستقدم دورات قصيرة وبرامج تطوير مهنية مركزة، وبالتالي ستساهم في تحسين الموارد البشرية وتعزيز التنمية المستدامة.

* أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي من البحرين

 

طباعة Email