في تونس التغيير قادم والعنف أيضاً

تعجز المفردات أحياناً عن توصيف وفهم ما يجري في هذا العالم المجنون، الذي يسارع الخطى في كل الاتجاهات من دون بوصلة تنير الطريق، وفي غياب تام للمعنى وبشكل يصعب معه مواجهة التحديات والأزمات.

وفي تونس، كما في عدد من الدول التي توهمت أنها دخلت عالم الديمقراطية والحرية والرفاه، لا يكاد يمر يوم من دون مزيد من الاقتناع والوقوف على حقيقة مرة وهي أن بلدان «الربيع العربي» إنما تشهد مرحلة جديدة ونوعية من الخراب والاستبداد الذي لا يُرد، دولاً ومجتمعات يحسب المواطن فيها نفسه أنه قطع مع ماضيه الاستبدادي.

وفي تونس، كما في غيرها من المجتمعات التي انتفضت شعوبها لتحقيق الكرامة والخروج من بوتقة الفقر والحاجة، تجد نفسها غارقة في أزمات سياسية تعوّق الاقتصاد وتعبث بالثروات وتقضي على طموحات المواطن في العيش الحر والكريم. وهي أزمة تتحمل مسؤولياتها بالكامل نخبة سياسية فشلت في مقاومة نزعات الانتهازية والطمع داخلها فرضخت إلى قوى حزبية وسياسية تحمل أجندات معادية للشعوب والأوطان. وإن في ضياع المعنى ما يفسر تصريح نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا فريد بلحاج، الجمعة الماضية، لعدد من وسائل الإعلام المحلية، والذي أكد فيه أن نحو 5 مليارات دولار هي على ذمة الدولة التونسية وأنّ هذا المبلغ لم يتم صرفه إلى الآن.

المسؤول المالي الدولي هو الآخر، وكل المانحين عجزوا عن فهم الأسباب التي حالت دون استفادة تونس من هذا المبلغ، ولا نخال أنها الفرصة الوحيدة التي فوتتها تونس التي يُخشى أنها دخلت مرحلة جديدة تفتح على المجهول.

وحيث انتظر المواطن أن يخرج من دائرة الحاجة، تبين بحسب المسؤول الدولي ذاته، أن نسبة الفقر بلغت 21 في المئة وهي نسبة لم تعرفها تونس منذ استقلالها سنة 1956.

وإن هذا الوضع الاقتصادي الكارثي فتح باب الاحتجاجات الاجتماعية وزاد في منسوب الاحتقان المجتمعي، ما يؤشر إلى أن المرحلة المقبلة قد تكون عنيفة ومدمرة، وما قد يقوّي هذا الاحتمال ما تعيشه الطبقة السياسية والحزبية من تجاذبات وصراعات خرجت من طور العنف الخطابي إلى العنف المادي، والمقبل أخطر.

ونحسب أن الوضع في تونس بلغ منتهاه من ناحية التردّي الاقتصادي والاحتقان المجتمعي والشلل الذي أصاب مؤسسات الدولة فعوّق نشاطها وانعكس سلباً ودماراً على عمل الحكومة ما يؤكّد أنّ منظومة الحكم انتهت وكفّت أن تكون قادرة على إيجاد الحلول للمشكلات المتراكمة. ونعتقد أيضاً أن هذه المنظومة انتهت بانتهاء ونفاد رصيد الأطراف الفاعلة فيها، وذلك لفشل في السياسات والبرامج، أو لتغييرات جدّية في السياقات الجيوسياسية إقليمياً ودولياً.

فعلى المستوى الوطني، تبين بوضوح تام أن الأحزاب والقوى السياسية التي تداولت على السلطة منذ 2011، لم تكن بأفضل من سابقاتها، إضافة إلى انعدام الكفاءة في تسيير الشأن العام الذي «ميّز» أداء حركة النهضة الإخوانية، وهي التي هيمنت على كلّ الحكومات منذ ذلك التاريخ.

وإن انسداد الأفق والإحباط الذي تعيشه تونس لا تقتصر أسبابه على سياسات «النهضة» الإخوانية، والتي هي بطبعها معادية للأوطان، وإنّما غياب البدائل الجدية أيضاً هو الذي يعمّق حالة الإحباط لدى المواطن التونسي. وأما على مستوى التغيّرات الجيوسياسية، فإنّ اللافت للانتباه هو أنّ دائرة مجاهرة الأطراف الدولية بدعمها وصداقتها لحزب النهضة قد تنحسر وتضيق، إضافة إلى التغييرات في الوضع الليبي والسوري والتي قد تدفع باتجاه تراجع دور قوة أو قوى إقليمية في هذه الدول.

ولعله من الممكن التفكير في أنّ التغيير المعلن مؤخّراً في موقف دولة إقليمية من الوجود الإخواني على أراضيها، والذي بدا أنّه موجّه إلى «إخوان مصر»، قد يشمل لاحقاً باقي التنظيمات الإخوانية، ومنها «النهضة»، لولا اليقين من أنّ هذا الموقف هو تكتيكي بحت، ولا يمسّ جوهر الأشياء، وهو موقف جاء مغازلة لمصر وفي محاولة لفكّ عزلة هذه الدولة، لأنّ أزمتها الاقتصادية لم تعد تتحمّل وزر كلّ الجبهات السياسية التي فتحتها حركة «الإخوان» الدولية.

إنّ فكّ العزلة الدولية هو سلوك إخواني استراتيجي ومهمّ وذلك لحماية الدولة الإخوانية الأمّ التي تعرف أزمة اقتصادية خانقة وتعصف بها الاحتجاجات المجتمعية وتتعرّض لانتقادات دولية كبيرة جرّاء الانتهاكات الممنهجة لحقوق الإنسان ولحقوق الأقليات، ولكنّ المحافظة على الذات «الإخوانية» تبقى الأهمّ، وهو ما يحتّم ضرورة البحث عن بدائل من أجل حماية التنظيم «الإخواني» ما يشير إلى دور محتمل لحركة النهضة التي قد تسعى أو تجبر على تقديم خدماتها.

إنّ حركة «الإخوان» الدولية تسعى لإيجاد الحلول لإيواء التنظيم والشخصيات الإخوانية ولـ«اتحاد علماء المسلمين» وللإرهابيين في كلّ من ليبيا وسوريا، ولكنّنا لا نعتقد أنّ «النهضة» قادرة بالمطلق على فرض هذه الأجندة في تونس، وشواهد ذلك كثيرة.

ولكلّ ما تقدّم، فإنّ حدّة التجاذبات وعنف الخطاب السياسي في تونس، إلى جانب العنف المادي، الذي يمارسه منتمون إلى جماعات الإسلام السياسي وغيرهم، كلّها مؤشّرات إلى أنّ مرحلة العنف مقبلة وأنّ التغيير مقبل، والحكمة تقتضي القول إنّ الأنسب أن يكون التغيير أسرع وبأخفّ الأضرار.

طباعة Email