الشذوذ الممنهج

منذ فترةٍ ليست بالطويلة، تناولنا موضوع الشذوذ مع تزايد الترويج له وكأنه أمر طبيعي، وتحدثنا حينها عن تلك الظاهرة النكراء التي يرفضها المجتمع وترفضها الأخلاق، وبالطبع يرفضها ديننا الإسلامي الحنيف، فما الجديد لنعود لطرح هذا الأمر مرة أخرى؟، في الحقيقة ظهرت في الآونة الأخيرة محاولات ممنهجة لتعميم الشذوذ في المجتمعات، وأصبح هناك اتجاه لوجوب تقبل هذا الأمر وكأنه أمرٌ واقعٌ، وهذا ما استوجب أن نعيد فتح ملفاتنا لنرى واقعنا واستعداداتنا، وما هي خطتنا لمواجهة مثل هذه التيارات الشاذة ومنع وصولها لمجتمعاتنا ولأجيالنا؟

عندما أتحدث عن الشذوذ، فأنا لا أقصد شذوذاً بعينه، إنما أقصد هنا كل ما هو مخالف للطبيعة البشرية، سواء أكان شذوذاً جنسياً في شكل العلاقات وطبيعتها، أو حتى ما بتنا نسمع عنه بكثرة من عمليات التحول الجنسي وتغيير الجنس، وصولاً لشذوذ في كيفية إقامة العلاقات الإنسانية؛ مع من، ومن أي جنس، وفي أي عمر، فجميع هذه العلاقات أو التصرفات أو التحولات هي شذوذٌ بعينه، وشكلٌ جديدٌ من الشذوذ بات أمراً واقعاً يحاول الكثيرون تعميمه وجعله أمراً عادياً، بل ويطالبون بحماية هذا الشذوذ والترويج له كنوع من أنواع الحريات، وهو ما وجدناه ونجده وسنجده دائماً أمراً مرفوضاً بجميع المقاييس والمعايير والاعتبارات.

منذ سنوات، وخصوصاً مع بداية ظهور المنصات الترفيهية الرقمية مثل «نتفلكس» وغيرها، ونحن نشاهد كمية كبيرة من الشذوذ الممنهج، الذي تقوده مثل هذه المنصات للترويج لمثل هذه الأفكار، والغريب في الأمر أن أغلب من يتابع هذه المنصات بات يرى أن هناك تعمداً لإقحام وحشو مثل هذا الأمر في السياق الدرامي، وبأن هناك محاولة ممنهجة لتخصيص أعمال درامية وسينمائية لتناول هذه الأمور بشكل صريح ومباشر، ولم يعد الشذوذ كما كان بمفاهيمه السابقة، بل تطور الأمر، مثل تشجيع الفتيات والفتيان (تحت السن القانوني) على مفاهيم جنسية رغم أن هذا الأمر مخالفٌ لجميع القوانين والأعراف الدولية، إلا أن هذه المنصات تمضي في سياقها لنشر جميع أنواع الشذوذ وتبرره وتدافع عنه وتتكسب منه أيضاً، وهذا كله يقودنا إلى أننا فعلاً أمام عملية ممنهجة لتقبل الشذوذ وإدخاله في جميع المجتمعات، الأمر الذي يستوجب أن تكون لدينا خطةٌ دفاعية لمحاربة مثل هذه المفاهيم الدخيلة على مجتمعاتنا.

ومن زاويةٍ أخرى، نرى بأن هناك عمليةً موازيةً لنشر الشذوذ، لكن عن طريق السياسة هذه المرة، فعندما تقوم دولةٌ عظمى مثل أمريكا، والتي كثيراً ما نستقطب أفكارها ومنهجها ومناهجها، باعتبارها الدولة التي تقود العالم فكرياً ومنهجياً؛ بتعيين العديد من الشواذ في أعلى المناصب القيادية، فهنا يجب أن نقف وقفةً جادةً لتوضيح مثل هذه التصرفات أمام أولادنا وبناتنا، فعندما يجدون بأن هذا الاتجاه هو أحد بنود الديمقراطية والمساواة، وبأن هؤلاء الشواذ لهم حقوقهم التي تحميها القوى العظمى، بل وتسهل حياتهم لتظهر بأنها في قمة الحريات والديمقراطية، فحينها ربما يتسلل للبعض في مجتمعاتنا ويرى بأن هناك فرصة لاستغلال هذا التوجه العالمي، فيتجه للشذوذ ويصبح هذا الأمر شكلاً من أشكال الحريات المفروضة علينا بشكل أو بآخر.

الشذوذ الممنهج برأيي قضيةٌ خطيرةٌ تستوجب أن نكثف حملاتنا التوعوية لاستباق الأمور ومنع تفشيه في مجتمعاتنا، المرتكزة في أساسها على قيم إسلامية، ترفض رفضاً قاطعاً مثل هذه المفاهيم، خاصة مع التحذيرات الإلهية الكثيرة من تفشي هذا الأمر في المجتمع، ولهذا علينا أن نضع النقاط على الحروف، وأن نواجه هذا الأمر بمزيدٍ من الشفافية والوضوح، وأن نُفهم أجيالنا بأن هذا الأمر منافٍ للفطرة الصحيحة للإنسان، وأن وجوده في المجتمعات الغربية هو نوع مِنْ مَنْ يعتبرونه حرية فردية، والتي لا تتناسب مع طبيعة شعوبنا ولا يمكننا حتى تقبلها، وأن مجتمعاتنا لديها قوانينها وضوابطها الخاصة، التي لا تنسجم مع أي انفتاح من هذا النوع، مهما كانت المساومة، حيث إن هذا الأمر لا يعيبنا ولا ينتقص من قيمتنا وتوجهاتنا نحو الانفتاح، فنحن، كأي مجتمعٍ، له ضوابطه الخاصة، فعلى سبيل المثال، أقرت الصين في وقت سابق فرضها تدريس مادة تعليمية تتناول موضوع الرجولة ومقوماتها، وذلك لمنع ظهور الشذوذ في المجتمع الصيني بعد تفشيه هناك أيضاً، ومن حقنا نحن أيضاً فرض أية إجراءات خاصة بنا لنحافظ على تركيبتنا المجتمعية التي ترفض مثل هذه الأمور.

علينا كعائلاتٍ أن نؤسس لمفاهيم صحيحة لدى أبنائنا وأن نراقب سلوكياتهم وأن نواجههم بالحقائق، حتى لو كانت حساسة، فأن يتعلموا منا في مثل هذا الأمر خيراً من أن يعلموها من المنصات الرقمية والإلكترونية، وهذا يتطلب بعض الجرأة من الأب والأم في مواجهة أبنائهم ومصارحتهم بمثل هذه القضايا الحساسة، وأرى بأن ذلك سيكون أنسب هجماتنا الدفاعية لوقاية مجتمعاتنا من هذه الظاهرة الخطيرة.

طباعة Email