قراءة في مشهد الوطن

نَثْرُ الرياحين على عام الخمسين

في طبيعة اللغة يجد الإنسان أعمق الدلالات على طبيعة الروح التي تكتب اللغة، وحين نتأمل بعين البصيرة هذا التركيب الفخم المتين «عام الخمسين» نستشعر الروح العالية، التي كانت وراء اختيار هذا التركيب، الذي يقوم في بنائه النحوي على نظام الإضافة، ليؤشر على مرحلة ماضية كانت مليئة بالتحديات ومفعمة بالإنجازات، هي عمر الدولة، الذي مضى منذ نشأتها الكبيرة على أيدي الرجال الكبار، الذين لم يغادروا هذه الدنيا حتى قدموا أروع النماذج على الإيثار والتلاحم والإحساس الأخلاقي العميق بالمسؤولية الكبيرة تجاه الوطن، هذا الوطن الذي واءَم بإيقاع عجيب بين جلال الصحراء وجمال المدينة، ليخرج من ذلك صيغة زاهية للكمال الحضاري تمثلت في ما نشاهده من علامات وملامح وشواهد التقدم والتفوق، التي تعكس روح الجسارة والتحدي والثقة لدى قيادة هذا الوطن على امتداد مسيرته التاريخية المظفرة، التي أرسى قواعدها العميقة المتينة شيوخ الإمارات الكبار، الذين أدركوا قيمة أن يكون وطنهم متحداً، وجهودهم متضافرة، وشعوبهم متلاحمة، فكان من ذلك كله هذه الدولة الفتية على مستوى الزمن، القوية على مستوى الإنجاز، الدولة التي تخوض أقوى معارك البناء والإعمار، وتطرح كل يوم صيغة جديدة مبتكرة للتقدم والإبداع، ضمن تناغم خلاق بين جميع مستويات القيادة السياسية والإدارية، ما يحقق المعنى الصحيح لثنائية الشعب والقيادة، ويعود بالخير العميم على الوطن والإنسان.

وخلال الخمسين عاماً الماضية تكاثرت الصيغ الحضارية المطروحة للتقدم وبناء الأوطان، وخصوصاً في البلدان حديثة النشأة أو التي نالت استقلالها في مرحلة قريبة من مرحلة إنشاء دولة الإمارات العربية المتحدة، لكن معظم هذه الدول قد شهدت من مظاهر التعثر والتراجع ما يثير التعاطف الصادق مع شعوبها، بسبب تعثر الإدارة السياسية في تلك البلاد، وعدم وضوح الرؤية وشكل العلاقة بين القيادة والشعوب، لكن حالة الإمارات العربية المتحدة كانت حالة فريدة، شهدت نمطاً غير مسبوق، بحمد الله، من الاستقرار والنمو السريع المدهش، الذي استرعى انتباه المراقبين، وهو ما عبر عنه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أعلن أن عام 2021 هو «عام الخمسين» للدولة، التي انطلقت مسيرتها المباركة قبل خمسين عاماً في ظروف لا يقوى على مواجهتها وتجاوزها إلا أصحاب العزائم القوية والإرادات الصحيحة والنيات الصافية، مؤكداً «أن عام الخمسين يشكل لحظة تاريخية في رحلتنا، التي بدأت منذ الإعلان عن قيام دولة الإمارات في عام 1971، فهو احتفاء بالإرادة العظيمة والعزيمة القوية، التي تحلى بها آباؤنا المؤسسون في بناء دولتنا، التي بناها أبناء الوطن حتى أصبحت دولتنا، ولله الحمد، إحدى أكبر الدول نمواً وتطوراً في العالم».

وتأكيداً على الأهمية الاستثنائية للمرحلة السابقة من عمر الدولة ومسيرتها المتميزة أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في «تدوينة» له على حسابه في «تويتر» أن: «عام الخمسين عام احتفاء بخمسين عاماً، شهدت أسرع مسيرة بناء في تاريخ الدول، وأفضل مسيرة تنمية شهدتها المنطقة، وأنبل رحلة لبناء الإنسان»، في إشارة من صاحب السمو إلى أصالة المرحلة السابقة وضخامة الإنجازات، التي تمت في سياقها، مستشرفاً ببصيرته الثاقبة وخبرته العميقة آفاق المستقبل الزاهر لهذا الوطن حين أكد عمق الرؤية بقوله: «وهو أيضاً عام استعداد لخمسين قادمة، خمسين عامرة بالخير، عميقة في التأثير، نموذجية في بناء أمل للمنطقة والعالم»، ليجمع ببلاغته المعهودة بين ثلاثية بديعة من القيم، تمثلت في الخير والتأثير والأمل، وكأن الرسالة التي يجب أن تصل إلى العالم هي أن هذه الدولة ليست منكفئة على ذاتها، بل هي ممدودة اليد بالخير والعطاء لكل شعوب العالم، تساعد المحتاج، وتغيث المكروب وتنصر المظلوم، وتنشر ثقافة الأمل والتسامح وحب الخير بين بني الإنسان.

وبروح القائد العسكري الشجاع كتب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، «تدوينة» على حسابه الرسمي في «تويتر» بهذه المناسبة الكبرى، قال فيها: «بمناسبة عام الخمسين نكمل فيه مرحلة حافلة بالإنجازات الاستثنائية، ونبدأ مرحلة جديدة تعانق طموحاتنا فيها السماء، التحدي أكبر والمنافسة أشد، لكن إرادتنا وهمتنا وروح التحدي لدينا أقوى، شعبنا مصدر قوتنا، ونرحب بالمبدعين، ونمد أيدينا بالخير والتعاون والسلام لكل دول العالم وشعوبه»، ملخصاً في هذه «التدوينة» المكثفة الروح العامة لهذه الدولة، وركائز القوة والثبات فيها، وجوهر القيم الأخلاقية التي تحكمها منذ نشأتها، وضمن مسيرتها الزاهرة، التي أصبحت نموذجاً يُحتذى ومثالاً حياً للتقدم المؤسس على رؤية واضحة مدروسة، وقدرة متبصرة على التوازن الرائع بين الطموح والإنجاز.

ومثل حصان جموح لا يعرف الخسارات انطلق هذا الوطن منذ نشأته يحدوه فرسانه الشجعان من لدن زايد وراشد، رحمهما الله، وظل أمانة مصونة صانها الرجال، الذين تربوا في مدرسة الأشياخ الكبار، وشعب نبيل المَحْتَد، لم يزدد على الأيام إلا حباً لهذا الوطن الكبير، الذي عبر عن أصالته وقوته وشهامة أهله شاعر الوطن وفارس القوافي وقائد الرجال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين قال في قصيدته الخالدة «مجد الإمارات»، وهي واحدة من أبدع قصائده وأكثرها حفاوة بمجد هذه الديار الحبيبة:

نحن القصيد ونحن اللحن والوتر

والقول والفعل والإنجاز والظفر

لنا الصدارة في علم وفي عمل

في كل يوم لنا مجدٌ ومفتخر

يا كاتب المجد سطر عن مآثرنا

ما يعجز الناس إن قلوا وإن كثروا

نُنافس الكونَ لا تنفك رايتنا

خفاقةً حينما الرايات تنكسر.

 

 

 

طباعة Email